Close ad

بين أوبنهايمر وباربي

10-10-2023 | 16:42
الأهرام المسائي نقلاً عن

(ثلاثة مقالات عن فيلم واحد !!)، قال أحد الأصدقاء مُداعبًا تعقيبًا على المقالات السابق نشرها في ذات الزاوية عن فيلم أوبنهايمر، ابتسمت وقبل أن أرد، أردف قائلاً (أُجزم أن لديك المزيد من التعقيبات، كما أُجزم أنك ذهبت للسينما خصيصًا بدافع الخلفية العلمية والتخصص العملي). عقبت (ربما.. لكنك وقد شاهدت الفيلم، لا تختلف معي أننا أمام عمل سينمائي متكامل الأركان يصعب المقارنة معه.. بل ويجبرك على إعادة النظر في تقييماتك السابقة لما تشاهده من أفلام).

تخيل أنك وبعد صلاة التراويح استوقفتك إحدى مباريات الكرة الشراب لفريق من عواجيز الحارة بكروشهم الكاملة الاستدارة وسيقانهم الرفيعة، لا يكاد الواحد منهم يعدو خمسة أمتار حتى يتوقف لالتقاط أنفاس قطعتها الجوزة والشيشة والعمر، وأنك شجعت وصفقت لكل لمسة كرة رأيتها ورآها الجمهور لعبة حلوة، صعدت بعدها إلى بيتك مسرورًا فرحًا تغمرك نشوة وسلام داخلي.

وما أن دلفت إلى بيتك وألقيت على أهلك السلام، ووجدت رؤوسهم وقد ولت وجهتها نحو شاشة التلفاز، نظرت -بدافع الفضول- إلى حيث ينظرون، فإذا فريقان يلعبان مباراة كرة قدم، ويضم كل نادٍ منهما نخبة من أفضل لاعبي العالم، تحت إشراف منظومة محترفة تضم مدربًا ومدير كرة وطاقم طبي ومساعدين، الجميع يعمل طبقًا لأسس علمية تتطور باستمرار.

فجلستُ –بعد ما أفسحوا لك- إلى جوار أحد الأبناء تتابع المباراة في شغف، وترى من فنون الكرة ما نطرك من مكانك غير مرة، تجري خلف الكرة، وتطوح جالسًا بقدمك في الهواء عَلَّك تدركها فتسجل هدفًا ضاع، حتى أذِنَ الحكم بالنهاية وأطلق صافرته.

حينها انتبهت إلى تحفُز خلايا جسمك واندماجها مع المباراة، فأخذت نفسًا عميقًا وأغمضت عينيك وأذنت لظهرك أن يسترخي على مسند الأريكة، مسترجعًا لقطات تعيد بها عذوبة المشاهدة، حتى لتحس طعم حلاوتها في فمك، ثم تتذكر أمرًا ظننت –قبل قليل- أنك لن تنساه، فتضرب جبهتك بكفك وتبتسم من سذاجتك المفرطة حين ظننت أن المباراة الأولى كانت درسًا في فنون كرة القدم، فإذا بها –بعد ما شاهدت المباراة الثانية- فاصل كوميدي غير ذي صلة باللعبة !!.

تنهد صديقي وقال (صدقت، عندما تشاهد فيلمًا كهذا وتتفاعل معه، يكون من الصعب مشاهدة ما هو أقل منه جودة). هززت رأسي تأكيدًا على رأيه، ثم أكمل حديثه بعد ما تناول رشفة من فنجان قهوته واعتدل في كرسيه، وراح يحكي لي عن انطباعاته التي شملت إلى جانب فيلم أوبنهايمر فيلمًا آخر.

ذهب صديقي للسينما مع ابنته لمشاهدة فيلم باربي، بعد ما فشلت محاولاته للاعتذار فرضخ وهو على يقين أنه سيشاهد فيلمًا أقرب لأفلام الأطفال، وعزى نفسه أن لا بأس ما دام ذلك يسعد ابنته، فما أن دار الفيلم حتى أيقن خطأ ظنه وأنه بنى تصورات خاطئة استندت على نماذج الدمية باربي بألوانها الوردية في واجهات محلات هدايا الأطفال، ليس أكثر.

كان هناك بعدٌ آخر، منح الدُمية قيمة إضافية ومساحة شاسعة لإطلاق الخيال ومناقشة قيم المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الجنسين عبر عمل احترافي مُشَوق ساهمت العلامة التجارية في الترويج له وتلوين صفحات العم جوجل باللون الوردي عند البحث عن كلمة "Barbie".

ومع الفارق الشاسع في الموضوع بين فيلم أوبنهايمر بأبعاده الإنسانية والعلمية المستندة إلى تجربة حقيقية تركت، وما زالت، آثارها على العالم، وبين فيلم وَظَفَ الخيال لتناول قضايا اجتماعية، فقد تفوق الفيلمان في مستوى الحرفية والاتقان، وحققا إيرادات فاقت المليار دولار، ليبقى قرار المشاهدة مرهونًا بميول ورغبات السادة المشاهدين.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة