Close ad
4-10-2023 | 16:14

لمن يستريح لفكرة موت جامعة الدول العربية، فإنه وخلال أيام معدودة شهدت الجامعة مؤتمرين بالغي الأهمية، الأول لوزراء الزراعة العرب بدعوة شخصية من الأمين العام للجامعة السيد أحمد أبوالغيط (يوم الثلاثاء 26 سبتمبر الماضي) لمناقشة موضوع الأمن الغذائي العربي والتمويل، خصوصًا أنه لا يوجد مجلس لوزراء الزراعة العرب ضمن مجالس الجامعة المتخصصة. والمؤتمر الثاني لوزراء الكهرباء العرب في دورة استثنائية للمجلس الوزاري العربي للكهرباء، لإطلاق السوق العربية المشتركة للكهرباء (يوم 1 أكتوبر الجاري).

وقناعاتي منذ تابعت عمل الجامعة كصحفي يوم أن غزت العراق الكويت، أن هذه المؤسسة لا تملك جيشًا، ولا تمارس ضغطًا على عواصم عربية، لتوجه قرارها إلى هنا أو هناك، إنما هي منصة إطلاق مبادرات، وبؤرة تجميع آراء ومواقف أعضائها من القضايا المختلفة، وإذا لم تتنازل عواصم عن الفكر الضيق لصالح المجموعة العربية، فإن تنفيذ المبادرات والمقترحات، سيتعطل حتمًا.

للجامعة مواقف مضيئة طوال تاريخها الممتد لأكثر من خمسة وسبعين عامًا خلت، كما أنها أخفقت ـ ليس كمبنى أو كيان ـ في تحريك أعضائها، الذين انضموا لها طواعية، لبعض مواقفهم في أزمات عدة. هذه المؤسسة العريقة التي لا نملك غيرها كعرب، معنية بتقوية العلاقات العربية، بقدر ما تسمح به العواصم المختلفة، ومحاولة تقريب وجهات نظرها ومواقفها، وتسخير خبراتها لحل الأزمات العربية.

من هنا كانت أهمية الاجتماعات الأخيرة التي لو نجحت الدول الأعضاء في التوصل إلى حل للأزمات التي ناقشتها، وتطبيق أمين للخطط والمقترحات التي عرضت بها، فلسوف يظهر الوجه الحقيقي للجامعة، التي كتب عليها مواجهة سهام النقد ككيان، بديلًا عن توجيه تلك السهام إلى العواصم التي لا تتفاعل مع المبادرات بروح تخدم المصالح العربية.  

الاجتماع الأول، كما ذكرت، طال واحدًا من أهم الملفات العربية في الوقت الراهن، وهو الأمن الغذائي العربي، كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.. ونبه السيد أبوالغيط إلى ما كشفت عنه جائحة كورونا من خطورة الاعتماد على سلاسل الإمداد العالمية، كما أظهرت بعدها الحرب في أوكرانيا ضرورة الاستعداد لتراجع الواردات، وبخاصة من الحبوب التي تمثل لوحدها نصف فجوة الغذاء العربية.. فضلا عن التأثيرات السلبية الشديدة لارتفاع الأسعار على نحو مفاجئ. وأشار إلى قيام جامعة الدول العربية على مدار العقود الماضية بإعداد مجموعة من الإستراتيجيات والخُطط المتعلقة بالأمن الغذائي العربي، كان آخرها ما تضمنته مخُرجات قمة الجزائر 2022، والتي اعتمدت إستراتيجية التنمية الزراعية العربية المستدامة (2020- 2030)، والبرنامج العربي لاستدامة الأمن الغذائي، ومشروع تحسين نوعية القمح المنتج محليًا، ومبادرة تطوير تقنيات المحاصيل الكبرى، وغيرها.

ربما كان الدافع لدعوة السيد أبوالغيط وزراء الزراعة العرب هو إدراكه بأن التدابير اللازمة لتفعيل هذه البرامج لم تتخذ بعد، رغم تعقد الأزمة بشكل يومي، خصوصًا أن فجوة الغذاء في العالم العربي تزايدت بأكثر من 100 مليون طن من المنتجات الغذائية.. ولاحظ أبوالغيط التزايد المطرد في عدد سكان الوطن العربي، وصولا إلى ما يقرب من 800 مليون نسمة بحلول عام 2050. (الإحصاء الأخير لتقرير سكان العالم بالتعاون مع الأمم المتحدة يذكر 468 مليون نسمة حاليًا).

ولم تعد المسألة في حاجة إلى رصد، فأسعار الغذاء في العالم العربي ترتفع، وسقوط الأمطار يتراجع، والهجرة والنزوح يزدادان، ونستورد 55% من احتياجاتنا الغذائية، بفاتورة بلغت، كما ذكر أمين عام اتحاد الغرف العربية خالد حنفي في مؤتمر ومعرض الأمن الغذائي العربي في مراكش قبل أيام، 61 مليار دولار عام 2020، مرشحة للزيادة إلى 90 مليار دولار بحلول السنوات العشر القادمة. 
 
لقد قدم السيد أبوالغيط لمسئولي الزراعة والتمويل العرب "خطة عمل" لتقليص فجوة الغذاء العربية، لكنها تتطلب تفعيل آلية تمويل عربية تضمن تدفق رؤوس الأموال بشكل دائم، مع وضع آليات تنفيذية وطنية تتيح منح إعفاءات ضريبية في هذا المجال، وتشجع منح قروضٍ ميسرة للمستثمرين، ولصغار المزارعين بوصفهم يمثلون السواد الأعظم من المنتجين والأكثر حاجة للدعم.

وأكد السيد أبوالغيط أن الأمن الغذائي العربي سيُطرح في القمة التنموية الخامسة في موريتانيا (6 و7 نوفمبر المقبل). ووجه أبوالغيط نداءً عاجلًا لتوفير الدعم المالي اللازم لإقامة مشروعات عربية تسد فجوة الغذاء بالتعاون بين القطاعات الحكومية ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص العربي.. 

أما بخصوص السوق العربية المشتركة للكهرباء، فقد قطع وزراء الكهرباء العرب خطوات ملموسة خلال الأعوام الثلاث الماضية، ولكن يبقى استكمال عناصرها التنفيذية، لتحقق مرادها، نظرًا لأهمية الكهرباء في كل الأنشطة الاقتصادية. ويجد أبوالغيط نفسه في موقع إطلاق نداء جديد للدول الأعضاء بتسريع إجراءات تفعيل اتفاقيتي إنشاء السوق، إذا ما اعتمدتها القمة العربية المقبلة في المنامة عاصمة البحرين، وأغلب الظن أن القادة سوف يعتمدون الاتفاقيتين. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة