نهاد محمود: بلغت نحو 45 قاعدة بأقاليم إستراتيجية يمتلك بها الفاعلون الدوليون نفوذا ومصالح
موضوعات مقترحة
د. مروة صبحى: توطيد القوة العسكرية الصينية فى القارة من شأنه تحويل ديناميكيات القوة العالمية
مصطفى صلاح: انتشارها العسكرى الواسع لم يحقق أى نوع من أنواع الاستقرار للدول الإفريقية
عمرو عبد العاطى: دوافع أمريكية لمواجهة القرصنة وتأمين عمليات التنقيب عن النفط والمعادن النادرة
أحمد عسكر: إفريقيا ستشهد توسعا فى إقامة قواعد دولية جديدة خلال الأعوام المقبلة
أسماء الصفتى: أكثر من 15 قوة إقليمية ودولية تتنافس من أجل تأمين أنشطتها الاقتصادية
يعد التنافس على الوجود العسكرى فى منطقة إفريقيا، جنوب الصحراء والقرن الإفريقى تحديدا، شكلاً مصغرا للتنافس على الحضور العالمى فى القارة الإفريقية، فالقارة التى استقلت رويدا رويدا عن الاحتلال، عادت إليها الجيوش الأجنبية فى شكل آخر، وتزايد حضورها عاما بعد عام حتى توسعت فيما أسمته بنقاط الارتكاز، لتتحول فى وقت وجيز إلى قواعد عسكرية، أو ما يقاربها فى إمكاناتها وقدراتها القتالية، وبات الموقع الإستراتيجى ومقدار التحكم فى الخطوط والممرات الملاحية، والنفط، بمثابة الكلمات المفتاحية، التى بها يفسر ما استغلق على فهم خريطة الوجود والانتشار العسكرى فى إفريقيا جنوب الصحراء، تلك المنافسة أدت إلى اكتظاظ واضح فى المشهد الأمنى، كما أن هنالك جوانب أخرى غامضة، تكمن فى إثبات قوة كل دولة حضورها الجيوسياسى، والهيمنة على القارة التى تبرز أكثر فأكثر، إضافة إلى حماية المصالح الاقتصادية وإقامة علاقات تضمن ديمومة المشاريع والحصول على حصص كبيرة ومستدامة من الموارد الطبيعية.
نستعرض فى هذا التحقيق آراء الخبراء المختصين حول مستقبل القواعد العسكرية فى إفريقيا جنوب الصحراء.
فى البداية، قالت نهاد محمود، الباحثة، والمتخصصة بالشئون الإفريقية، إن عدد الدول التى تمتلك قواعد عسكرية بالقارة الإفريقية حوالى 13 دولة، خصوصا بالأقاليم الإستراتيجية التى يمتلك بها الفاعلون الدوليون النفوذ والمصالح، يأتى فى طليعة هؤلاء الدول الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أصحاب الزخم العملياتى الأكبر على الأراضى الإفريقية، موضحة انتشار أمريكا بـ 34 منطقة بالقارة، خصوصًا بالمناطق الغربية ومنطقة القرن الإفريقى، من خلال نحو 6000 جندى، أما فرنسا فتنتشر من خلال 5500 جندى.
وأضافت الباحثة المتخصصة بالشئون الإفريقية، أن منطقة القرن الإفريقى تزخر وحدها - الصومال وإريتريا وجيبوتى وإثيوبيا - بالنصيب الأوفر من عدد هذه القواعد العسكرية (11 قاعدة عسكرية)، ويرجع ذلك إلى حد كبير لقرب المنطقة الإستراتيجى من الشرق الأوسط وآسيا، إضافة إلى رغبة هذه القوى فى حماية ممرات التجارة العالمية، التى تمر بها بضائعها، لذا تبرز الأهمية الإستراتيجية للقرن الإفريقى، كمنطقة تطل على خليج عدن والمحيط الهندى، كما تعمل هذه القواعد كمركز لوجستى ونقطة انطلاق لعملياتها العسكرية بالمنطقة، ضمن جهود مكافحة الإرهاب والتصدى لعمليات القرصنة، وهى المهددات الأكثر خطورة بهذه المنطقة.
وأوضحت نهاد محمود، أن عدد القواعد العسكرية الأجنبية بإفريقيا جنوب الصحراء بلغ نحو 45 قاعدة، حيث توجد فرنسا فى كل من السنغال، موريتانيا، النيجر، تشاد، الكاميرون، كوت ديفوار، الجابون، خليج غينيا، جيبوتى، أوغندا، بقوام 5500 جندي، وكذلك توجد الولايات المتحدة الأمريكية فى بوركينا فاسو، السنغال، غانا، النيجر، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى، جنوب السودان، الكاميرون، الجابون، الكونغو الديمقراطية، بوتسوانا، سيشل، الصومال، كينيا، أوغندا، جيبوتى، ويقدر قوامها نحو 6000 جندى، أما روسيا توجد فى إفريقيا الوسطى بنحو 10 آلاف جندى، وكذلك ألمانيا توجد فى مالى، النيجر، جيبوتي، أما بلجيكا فلها قاعدة فى مالي، وإيطاليا فى النيجر، جيبوتى، والمملكة المتحدة فى مالى- كينيا، والهند فى سيشل و مدغشقر، أما اليابان والصين فلكل منها قاعدة فى جيبوتى.
وأشارت الباحثة المتخصصة بالشئون الإفريقية، إلى أن وجود القوات العسكرية الأجنبية فى إفريقيا، لا يقتصر على الولايات المتحدة والقوى الغربية، بل تبرز قوى آسيوية كالصين التى افتتحت عام 2017 أول قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها فى جيبوتى، ويتمركز بها 2000 جندى، مشيرة إلى أن ذلك جاء بعد إنشاء الولايات المتحدة معسكر ليمونير فى جيبوتى عام 2003، جنبًا إلى جنب مع قواعد بجيبوتى أيضًا لكل من فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، ألمانيا، واليابان.
وحول مهام القواعد العسكرية فى مجال مكافحة أعمال العنف والإرهاب، أكدت أنه برغم ما بذلته من جهود فإنها لم تقض تمامًا على الإرهاب، فقد حققت هجمات الطائرات الأمريكية بدون طيار بالصومال فى الحد من قدرة حركة الشباب الرامية لإفساد الجهود المبذولة لتحقيق السلام، وعلى نحو مماثل، كانت مساهمة القوات الفرنسية فى بناء قدرات الجيوش الوطنية، فى منطقة الساحل، وطرد الإرهابيين من شمال مالى جيدة إلى حد كبير، مؤكدة أن تلك المساهمات المباشرة لم تسفر عن اجتثاث بؤر الإرهاب بشكل كامل، ويتضح ذلك من خلال ما شهدته مقديشيو، من تصاعد لضحايا العمليات الإرهابية خلال عام 2022 لأول مرة منذ 6 سنوات، حيث ارتفعت بنسبة 23 ٪ عن عام 2021، وذلك وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمى لعام 2023، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الدولى، فى نسخته العاشرة.
الأقاليم الإستراتيجية
من جانبه، أكد مصطفى صلاح، المنسق العام للبرامج البحثية بمركز السلام للدراسات الإستراتيجية، أن منطقة جنوب الصحراء واحدة من أعنف التغيرات، فيما يتعلق بخريطة انتشار القواعد العسكرية فى دول المنطقة والتى يمكن وصفها بحرب القواعد العسكرية، حيث شهدت هذه القواعد تحولات عديدة تتعلق بالتعبير عن تراجع نفوذ بعض الدول، وصعود أخرى فى مناطق وسط، وشرق وغرب إفريقيا، والتى تقع جميعها ضمن الحيز الجغرافى لدول جنوب الصحراء وتشمل 20 دولة.
وأوضح الباحث مصطفى صلاح، أن الملامح الأساسية لطبيعة انتشار القواعد العسكرية فى دول منطقة جنوب الصحراء، على سبيل المثال هناك قواعد عسكرية موجودة فى الصومال، والتى تحتضن قواعد عسكرية أجنبية، تشمل قاعدة تركية فى مقديشو، وقاعدة «باليدوغل» الجوية الأمريكية فى محافظة شبيلى السفلى، والقاعدة البريطانية فى منطقة بيدوا، مضيفاً أن القوات الأمريكية تستخدم مطار كسمايو فى جنوب الصومال فى إدارة العمليات العسكرية، ومطار عنتيبى فى أوغندا، بالإضافة إلى كينيا التى توجد بها قاعدتان عسكريتان، إحداهما أمريكية «قاعدة سيمبا» فى خليج ماندا وتضم عناصر من المظليين فى الجيش الأمريكى، وتسهم القاعدة فى محاربة حركة شباب المجاهدين، والأخرى بريطانية فى مدينة نانيوكى، كما يوجد فى أوغندا قاعدة عسكرية أمريكية لتغطى الحاجات، والأهداف العسكرية لها فى منطقة شرق إفريقيا والبحيرات العظمى.
وأضاف المنسق العام للبرامج البحثية بمركز السلام للدراسات الإستراتيجية، أن هناك قاعدة أمريكية فى الكاميرون، توجد داخل إحدى القواعد العسكرية الكاميرونية فى منطقة الشمال، مشيراً إلى استغلال تلك القاعدة فى تسيير الطائرات دون طيار، كنقطة استطلاع وإدارة العمليات الحربية ضد تنظيم بوكو حرام، الذى ينتشر على الحدود الكاميرونية النيجيرية، ويوجد بتلك القاعدة قرابة 300 جندى أمريكى، بالإضافة إلى قاعدة شمال الكاميرون، كما تعمل واشنطن حاليًا على إنشاء قاعدة جوية فى مدينة أغاديز شمال النيجر، مشيرا إلى وجود قاعدة عسكرية أمريكية فى بوركينا فاسو، بالعاصمة البوركينية واجادجو، ويتمثل هدفها فى تحقيق التعاون العسكرى بين أمريكا ودول غرب إفريقيا وتحقيق المراقبة الأمريكية للساحل الغربى الإفريقى، حيث تعد بوركينافاسو، نقطة تمركز مهمة فى مراقبة التحركات فى ساحل خليج غينيا الغنى بالنفط.
وأكد أن القواعد العسكرية لم تشهد تغيرات فى طبيعة الأدوار، فى حين أن بعض القواعد لدول أخرى مثل فرنسا، والموجودة فى مالى وبوركينافاسو والنيجر وإفريقيا الوسطى، تشهد تحولات كبيرة فى اتجاه رفض الوجود العسكرى الفرنسى تحديدًا داخل أراضيها، وهو ما ظهر من خلال إعلان باريس وقف عملية برخان، ونقل قواتها من مالى وبوركينا فاسو إلى تشاد، وما يدعم هذا التصور إعلان ليون دودونو بوناغازا سفير جمهورية إفريقيا الوسطى لدى روسيا، أن بلاده مهتمة بإنشاء قاعدة عسكرية روسية على أراضيها، بعد مقاومة الفرنسيين ووجودهم العسكرى فى البلاد، مؤكداً أن تلك التغيرات فى خريطة توزيعات القواعد، تشير إلى إعادة رسم نفوذ الدول فى هذه المنطقة التى تعانى بالأساس من هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، وقد أضافت انتشار الجماعات الإرهابية والتنافس، الإقليمى والدولى متغيرات مهمة فى التأثير صعودًا وهبوطًا على هذه التغيرات.
وأشار الباحث مصطفى صلاح، إلى أنه على الرغم من تعدد الدول التى تمتلك قواعد عسكرية، وتعدد أهدافها ما بين منافسة الدول الأخرى، أو محاربة الجماعات الإرهابية، فإن الانتشار الواسع لها لم يحقق نوعا من أنواع الاستقرار للدول الإفريقية فى منطقة جنوب الصحراء، بل على العكس من ذلك أحدثت هذه القواعد، نوعا من الإقحام للدول الإفريقية فى المنافسة الإقليمية والدولية، دونما الاعتبار لمصالحها، ويمكن الإشارة فى هذا الإطار إلى أن هناك دوافع متعددة وراء اتجاه الدول لتعزيز توجهاتها، نحو إقامة قواعد عسكرية لها فى دول منطقة جنوب الصحراء بمختلف أقاليمها، فالبعض اتجه إلى إيجاد موطئ قدم له لدعم الجيوش النظامية فى محاربة التنظيمات الإرهابية، وتأهيلها وتدريبها بما يضمن استمرارية بقائها فى هذه الدول، والشروع فى الحصول على مكاسب اقتصادية وتدفق الموارد الطبيعية، والبعض الآخر اتجه إلى الانخراط فى مواجهة خصومه من الدول على المستويين الإقليمى والدولى، فى حين اتجهت بعض الدول الأخرى، إلى مواجهة موجات تدفق الهجرة غير الشرعية وتأمين حركة التجارة والملاحة وتأمين استثماراتها فى حوض البحر الأحمر والمحيط الأطلسى، وهذه الدوافع المختلفة انعكست على جغرافيا وتوزيع القواعد العسكرية فى منطقة جنوب الصحراء.
وحول مستقبل الوجود العسكرى فى دول منطقة جنوب الصحراء، أشار إلى مجموعة من السمات التى ستحدد العوامل الخاصة، بأعدادها والدول التى ستمتلك القدرة على الاستمرار، والحفاظ على قواعدها أو الخروج أو زيادة أعدادها فى دول أخرى، ولعل ما تواجهه فرنسا أبرز الأمثلة على ذلك، حيث كانت باريس حتى منتصف القرن العشرين تمتلك 100 قاعدة عسكرية فى إفريقيا، لكن مع مرور الوقت، تقلصت القواعد الفرنسية فى القارة إلى 7 قواعد، فقط فى حين بدأ الوجود الفرنسى فيها يتلاشى شيئا فشيئا نتيجة خروج العديد من الدول الإفريقية من دائرة النفوذ الفرنسية، واستبدالها بأخرى صينية أو روسية كما حدث فى النيجر وبوركينا فاسو ومالى وإفريقيا الوسطى، وقد يكون ما تشهده فرنسا بداية لإعادة رسم توازنات القوى الإقليمية والدولية فى إفريقيا فيما يتعلق بصعود أدوار وانحصار أخرى.
معادلة الصين
من جانب آخر، قالت الدكتورة مروة صبحى منتصر، مدرس العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، إن إقامة قاعدة بحرية صينية فى غينيا الاستوائية، هى تتويج لاستثمار ما يقرب من عقد من الزمن فى إفريقيا، مضيفة أن القارة أكبر مكون إقليمى فى مبادرة الحزام، والطريق الصينية التى تبلغ قيمتها تريليون دولار لإعادة تشكيل بنية التجارة العالمية، حيث تمثل الدول الإفريقية الـ 46 التى وقعت على مبادرة الحزام، والطريق أكثر من مليار شخص، وتغطى نحو 20 فى المائة من مساحة اليابسة على الأرض، موضحة أن توطيد القوة العسكرية الصينية فى القارة، فى هيئة مثل هذه القواعد الجديدة ــ جنباً إلى جنب مع توسع نفوذ بكين الاقتصادى الكبير بالفعل، من شأنه أن يحول ديناميكيات القوة العالمية، ويؤدى إلى تآكل هيمنة الولايات المتحدة، وإبعاد أوروبا على هامش الشئون الدولية.
وأضافت الدكتورة مروة صبحى منتصر، أن هناك ما يقرب من 10 آلاف شركة صينية فى إفريقيا، وفقا لتقرير ماكينزى لعام 2017، وحققت إيرادات بقيمة 180 مليار دولار سنويا، ومن الممكن أن تصل إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2025، مؤكدة أن الصين نجحت فى ترسيخ أجهزتها العسكرية والأمنية فى إفريقيا، لكنها تمكنت من القيام بذلك إلى حد كبير من دون استفزاز ردة فعل دولية عكسية، مشيرة إلى أن خلال العقدين الماضيين، منذ تأسيس منتدى التعاون الصينى الإفريقى (فوكاك) فى عام 2000، تجنبت بكين بذكاء وضع قوات علنية كبيرة فى القارة، مثل تلك التى تحتفظ بها فرنسا والولايات المتحدة، وبدلاً من ذلك، قامت بكين بدمج عنصر عسكرى، وأمنى فى شراكاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية، مما جعل الوجود الدفاعى الصينى فى إفريقيا جزءًا من نسيج تنمية القارة.
وأشارت مدرس العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، إلى أن أجندة الصين الأمنية المنهجية لعموم إفريقيا أصبحت أكثر وضوحًا فى قمة فوكاك 2018، والتى دعت خطة عملها (2019-2021) إلى إنشاء 50 برنامجًا منفصلاً لتعزيز التنسيق الأمنى بين الصين وشركائها الأفارقة عبر القارة، بما فى ذلك منتدى السلام والأمن الصينى - الإفريقى، والمنتدى الصينى - الإفريقى لإنفاذ القانون والأمن، موضحة أن الشركات الصينية المملوكة للدولة تنفق بالفعل 10 مليارات دولار على الأمن على مستوى العالم، وينفق جزء كبير منها فى إفريقيا على الاستعانة بدعم أمنى صينى، بدءاً من الشرطة العسكرية والمدنية النظامية إلى شركات الأمن «الخاصة».
واختتمت الدكتورة مروة صبحى منتصر، حديثها قائلة إن السعى الصينى إلى إنشاء بنية تحتية تجارية واسعة النطاق مدعومة بوجود عسكرى يشير إلى نوايا إستراتيجية بعيدة المدى، كما أن توسع الوجود العسكرى الصينى فى مختلف أنحاء إفريقيا، فى أعقاب مبادرة الحزام والطريق ليس بالأمر غير المتوقع، وقد تمكنت بكين من تصوير وجودها العسكرى الأحادى الجانب كجزء من الجهد الدولى لمكافحة القرصنة، وحماية التجارة العالمية، ومع ذلك كان إنشاء الصين لقاعدتها فى جيبوتى، مع رصيف يقال إنه قادر على استيعاب حاملات الطائرات والغواصات النووية، يتماشى أيضا مع رحلتها نحو تعزيز وجودها الأمنى على مستوى القارة، وفى مثل هذه الظروف، ستكون قارة إفريقيا نفسها بمثابة قاعدة أمامية لبكين لاستعراض قوتها مباشرة نحو أمريكا الشمالية وأوروبا.
الدوافع الأمريكية
وفى المقابل، أكد عمرو عبد العاطى، مساعد رئيس تحرير مجلة السياسية الدولية، الباحث المتخصص فى الشئون الأمريكية، حالة الغموض حول طبيعة القواعد العسكرية الأمريكية داخل القارة، موضحاً أن أهدافها بصورة أساسية تدور حول مواجهة التنظيمات الإرهابية، التى تنشط فى دول القارة، ولا سيما فى الدول التى تفقد السيطرة على أراضيها، بما توفر ملاذا آمنا للتنظيمات الإرهابية، وقد أضحى هدف مجابهة التنظيمات الإرهابية فى القارة الإفريقية، أولوية على أجندة الإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، وقيادة الولايات المتحدة الأمريكية حربا دولية على التنظيمات الإرهابية التى تنشطر فى منطقة الشرق الأوسط، وإفريقيا.
وأوضح الباحث المتخصص فى الشئون الأمريكية، أن القواعد العسكرية الأمريكية فى القارة فى مواجهة مع القرصنة التى تهدد الملاحة الدولية، ومن ثم تدفق الموارد الإفريقية الإستراتيجية، بجانب تأمين عمليات التنقيب الأمريكى عن النفط والمعادن النادرة بالقارة، وفق بعض التقديرات الأمريكية، مشيراً إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية بعديد من دول القارة، تهدف إلى الحفاظ على الشراكات والتحالفات الأمريكية بالدول الإفريقية، فى وقت تحتدم فيه المنافسة بين واشنطن وموسكو وبكين على تأييد دول القارة فى المحافل الدولية، إلى جانب تقديم الدعم اللوجيستى للانتشار الأمريكى فى المياه الدولية، وسرعة إجلاء المواطنين الأمريكيين فى أوقات اشتغال الأزمات والصراعات الإفريقية، وكذلك نقطة انطلاق لعملياتها الحربية داخل القارة وخارجها.
وأضاف عمرو عبد العاطى، إن دور الوجود العسكرى الأمريكية لا يقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية فقط، لكنه يمتد لتعزيز دور الإنسانى الأمريكى فى القارة أوقات الأزمات الإنسانية والأوبئة، حيث تساعد فى توصيل المساعدات الأمريكية من غذاء وأدوية، وغيرها من المساعدات الإنسانية الأخرى على المناطق المتضررة، وقد تجلى الدور الإنسانى للقواعد العسكرية الأمريكية خلال جائحة كوفيد- 19، حيث وفرت مستشفيات متنقلة فى عدد من دول القارة، ومساعدة الدول على التعامل مع الفيروس واحتواء الأوبئة المستقبلية.
تمدد عسكرى
وفى السياق، أكد أحمد عسكر، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن مستقبل القواعد العسكرية بشكل عام فى إفريقيا جنوب الصحراء، مرهون بعاملين أساسيين، أولهما التحديات الأمنية و التهديدات الإرهابية، فى ضوء تصاعد نشاط الجماعات المتطرفة والتكفيرية فى بعض المناطق، وهو ما يشكل عامل تهديد وقلق للمصالح الدولية والغربية، وأيضا أمن واستقرار قارة أوروبا بشكل أساسى، والعامل الآخر لا يقل أهمية، وهو الصراع الدولى من أجل النفوذ والهيمنة والسيطرة على الموارد والثروات الإفريقية، موضحاً أنه فى ظل استمرار العاملين ستظل هناك حالة من الاستقرار لتلك القواعد العسكرية.
وأضاف الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أنه على الرغم من انسحاب القوات الفرنسية من جمهورية مالى، فإنها فى ذات الوقت بحثت عن بديل لها كالنيجر، وهو ما أسهم فى إعادة تشكلها فى منطقة الساحل، وبالتالى هذا يوضح أن هناك بدائل للغرب وفرنسا يمكن التعويل عليها، مشيراً إلى أن القواعد العسكرية الثابتة للغرب كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لم تشهد أى إغلاق لتلك القواعد، لكن هناك سحب بعض القوات من الدول التى كانت حليفة لفرنسا قبل سنوات، وإعادة انتشارها ضمن الإستراتيجية الفرنسية الجديدة تجاه منطقة الساحل الإفريقى.
وأوضح عسكر، أن الأعوام المقبلة ستشهد توسعا فى إقامة قواعد عسكرية دولية جديدة فى إفريقيا جنوب الصحراء، هناك بعض المؤشرات على ذلك، كالمحاولات الروسية لنشر بعض القواعد، وربما يدفع التمدد الإفريقى - الروسى إلى الإعلان عن تلك القواعد، مضيفاً أن هناك تقارير تتحدث عن احتمالية إقامة قاعدة عسكرية فى إفريقيا الوسطى، وربما سينتقل ذلك لأكثر من دولة فى ظل التعاون القوى ما بين روسيا فى المجال الأمنى وعدد من دول الساحل، كمالى وبوركينا فاسو وغينيا كوناكري، وربما من المحتمل فى المدى القريب أن تكون هناك لها وجود فى النيجر، وهذا مؤشر على أن القوى الإقليمية والدولية، تبحث دائما على إقامة أو إنشاء مرتكزات فى القارة الإفريقية، موضحاً المخاوف من تنامى عسكرة القارة الإفريقية عبر تزاحم وتكالب القوى الدولية لتعزيز نفوذها وهيمنتها لتنفيذ أهدافها المختلفة، ويأتى ذلك فى خضم الأزمات الدولية فى الجانب الاقتصادى على المستوى العالمى.
الآفاق المستقبلية للقواعد العسكرية
اتصالا، ترى أسماء الصفتى، الباحثة فى مركز إنترريجونال للتحليلات الإستراتيجية، الوجود العسكرى المتباين فى طبيعته بمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء وامتلاك أكثر من 15 قوى إقليمية ودولية، من أجل تأمين أنشطتها الاقتصادية فى القارة الإفريقية ككل- وذلك على غرار الصين- أو لتقديم خدمات أمنية أو لتأمين مصالحها السياسية وموازنة وجود القوى المنافسة لها فى هذه المنطقة ومحاربة الأنشطة الإرهابية.
وأوضحت أسماء الصفتى، حجم وطبيعة الوجود العسكرى لهذه الدول بالمنطقة وآفاقها المستقبلية، حيث تمتلك الولايات المتحدة قاعدة دائمة فى جيبوتى، ومنشأة للقوات الجوية فى النيجر، وقوات عسكرية فى كينيا والصومال، بما فى ذلك النيجر وتشاد والسنغال وبوركينا فاسو وغانا وجنوب السودان، والكاميرون، والجابون، وأوغندا، وقد قامت واشنطن بتقديم الدعم اللوجستى لعمليات مكافحة الإرهاب الفرنسية فى مالى.
وحول اعتماد روسيا بشكل كبير على مجموعة «فاجنر»، لتعزيز مصالحها العسكرية والأمنية فى القارة، أكدت الباحثة فى مركز إنترريجونال للتحليلات الإستراتيجية، أن هذه المجموعة تشارك فى تدريبات العناصر الشرطية والعسكرية المحلية ببعض دول القارة، كما أنها تقوم على رعاية وتأمين عدد من الأنشطة الاقتصادية القائمة بهذه الدول، بتنسيق وتعاون مع النظم الحاكمة، خصوصاً الأنشطة المرتبطة باستخراج الطاقة والتعدين، ومن المحتمل أن تسعى موسكو إلى تدشين المزيد من القواعد فى عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فإنها انشغالها فى الحرب الأوكرانية قد يدفع الحكومة الروسية لتأجيل بعض من هذه الخطط.
وأشارت إلى أنه برغم من عدم امتلاك الصين سوى قاعدة واحدة فى جيبوتى، فإن وسائل الإعلام الأمريكية أكدت فى تقارير سابقة لها، أن الصين تسعى لتدشين قواعد أخرى فى عدة دول إفريقية، بما فى ذلك أنجولا وغينيا الاستوائية وكينيا، وناميبيا، وسيشيل، وتنزانيا، وفيما يتعلق بفرنسا إحدى أكبر الدول المنخرطة عسكريا فى القارة الإفريقية، فمع مغادرة قواتها لمالى فى أغسطس 2022، وجمهورية إفريقيا الوسطى فى ديسمبر 2022 وبوركينا فاسو فى فبراير 2023، فإن وجود باريس العسكرى فى إفريقيا جنوب الصحراء اقتصر على قواعدها الدائمة فى الجابون والسنغال وكوت ديفوار، ومع ذلك يرجح الإعلام الفرنسى إقدام الحكومة على تقليص هذا الوجود، خصوصا مع تصاعد حدة الانتقادات، ورفض المجتمعات الغربية للوجود الفرنسى فى القارة بأى شكل كان.
وأكدت الباحثة فى مركز إنترريجونال للتحليلات الإستراتيجية، أن دول الاتحاد الأوروبى الأخرى، وعلى رأسهما ألمانيا وإيطاليا، بجانب إسبانيا وبلجيكا عملت بشكل محدود، على تعزيز وجودهم العسكرى فى القارة الإفريقية، خصوصا دول إفريقيا جنوب الصحراء، وذلك تحت شعار محاربة الإرهاب، ويرجع ذلك لتصاعد الاهتمام الأوروبى بهذه المنطقة إلى حالة المنافسة القائمة فيما بين دول الاتحاد وبعضها البعض، خصوصا فرنسا وألمانيا، بجانب تخوف هذه الدول من النفوذ الروسى المتصاعد فى المنطقة، هذا بجانب مشاركة ألمانيا فى العملية العسكرية الأوروبية التى قادتها فرنسا فى مالى، مع إعلان برلين عن رغبتها فى إنهاء وجودها العسكرى بمالى بحلول عام 2024، ونقل قواتها إلى دول الجوار، على غرار النيجر التى تحتضن عاصمتها قاعدة ألمانية للنقل الجوى لجأت إليها برلين لتوفير الدعم للقوات الدولية فى مالى.