Close ad
23-9-2023 | 10:01

الثقافة هى الحياة.. هى طريقتنا فى الأكل والشرب والملبس والغناء والرقص والتفكير والكتابة والتعامل مع الآخرين، إنها حياتنا ذاتها، ولا يمكن أن نتصور أن تغدو تلك الحياة عشوائية متدنية فاقدة النكهة والهدف والبوصلة، ونحن أصحاب أول حضارة على الأرض! 

فى السابق كان الجيل القديم يحرص على تسليم الراية لجيل الشباب الناشئ، ويمنحه كل ما يملكه من معارف وأفكار وخبرات.. الأمر الآن مختلف، لأن الجيل الجديد بطبيعته زئبقى متفلت يتطلع لعوالم يراها عبر الفضائيات لامعة نظيفة براقة، وهو يعيش واقعاً بائساً فقيراً مظلماً، وهو ما يدفعه للانفصال عن هذا الواقع، والأخطر أنه يكفر بماضيه الذى أسلمه لهذا الواقع السيء بحثاً عن طريقة للحاق بركب العالم المتقدم بأسرع السبل.. هل باستطاعة الجيل القديم الوصول إلى القدرة على التأثير الفعال فى الشباب الناشئ بأساليبهم القديمة التقليدية وأفكارهم البالية ذاتها، إذا كانت ثقافة الصورة تخبرهم أن العالم سبقنا إلى التقدم بعشرات السنين الضوئية؟! فهل لدى الجيل القديم القدرة على إقناع أبنائهم بأن أفكارهم وآراءهم هي الأفكار السليمة القادرة على إحراز التقدم؟! 

بين جيلين 

 بلا مداهنة أو التفاف.. هل بإمكانك أن تخبرنى عن نموذج واحد من نخبتنا المصرية يصلح كقدوة للشباب المصرى يتفقون عليه ويلتفون حوله، نموذج للنجاح والثراء والتفوق والعبقرية والنبوغ، دون أن يكون نجاحه منسوباً لبلد آخر كأمريكا أو بريطانيا أو ألمانيا أو غيرها من بلاد الغرب؟! أخبرنى عن نموذج واحد فى التفوق العلمى والتقنى أو فى عالم الفكر والأدب والكتابة أو فى الفن أو فى الرياضة .. إلخ. 

لا أتحدث عمن يملأون الساحات اليوم فى كل مجال وهم مجرد مقلدين أو مسايرين للتيار، بل أتحدث عن المجددين والمغيرين، أتحدث عن قادة الفكر وفلاسفة كل مجال.. هؤلاء الذين يستطيعون بفكرة واحدة أو نظرية أو مبادرة إحداث طفرة تقفز بمجال عملهم قفزة نوعية ملموسة! أين أمثال هؤلاء اليوم؟

 بالأمس كانت لدينا نماذج بالمئات فى كل مجال علمى وأدبي ورياضي وفنى، وباستطاعتك أن تتذكر عشرات النماذج من المصريين قادوا، لا أقول الشعب المصري، بل والشعوب العربية كلها فكرياً وفلسفياً وأدبياً وفنياً ورياضياً لعشرات السنين.. فأين نحن اليوم من مثل هذا؟!

 النماذج موجودة بلا شك.. لكنها لم تعد اليوم قدوة، ولأن آليات العمل قاصرة عن مواكبة التقدم العالمى، ولأن الإرادة الكامنة لدى النخبة فى إبراز النماذج الحقيقية للنجاح ميتة، ولأن الاستثمار بات موجهاً نحو الشكليات الفارغة لا نحو الجوهر والحقائق.

المرئى والمقروء

 لا يزال الكتاب هو الأصل فى المعرفة والثقافة والإدراك.. رغم أن السائد اليوم هو الثقافة المرئية السريعة؛ حيث الشاب لا يكاد يصبر على مقطع فيديو يزيد عن عشر دقائق! فكيف يصبر على قراءة كتاب يستغرق ساعتين؟! لهذا بدأت التقنية تلاحق الشباب بكتب مصورة ومرئية ومسموعة، أو ملخصات لهذه الكتب فى صورة فيديو قصير، أو بتحويل هذه الكتب إلى دورة تدريبية، أو جلسة حوارية تفاعلية أو غيرها من أشكال البث المرئى.

 فترة وباء كورونا تسببت فى عدد من التداعيات فى المجال الثقافى.. وقتذاك كان الهم الشاغل للجميع هو البحث عن وسيلة لجذب الناس لمتابعة الفعاليات الثقافية من منازلهم، وظهرت أشكال من الثقافة المنزلية التى يبثها عامة الناس مهما كانت معلوماتهم ضحلة أو سطحية، لكن كثيراً من هذه الأفكار طارت وسادت وانتشرت بين الناس، ليظهر نوع جديد من ثقافة الشوارع التى لا تخلو من إبداع رغم ضحالتها.. وباتت مثل هذه الثقافات مؤثرة ولها جمهورها الواسع الذى يقلدها ويبنى عليها، والغريب أن بعض اليوتيوبرز من صانعى المحتوى الصغار باتوا من المشاهير فى غمضة عين بفضل بعض المقاطع المرئية التافهة، لكنها حازت على اهتمام قطاع كبير من المتابعين.

 هكذا تشكل لدى الناس وعى جديد نحو فكرة النجاح السهل أو الثراء بلا مجهود.. مثل هذه الفكرة التى تزيد من معاناة الكتاب المقروء ومدى رواجه بين الشباب الناشئ..

 فرغم أنه الأهم والأجدر بالاقتناء، إلا أن كل الظروف تقف ضد الكتاب المقروء على طول الخط.. الظروف الاقتصادية كغلاء أسعار الورق وتكلفة الطباعة والأحبار والعمالة ما يجعل من الكتاب رفاهية زائدة تصبح شيئاً فشيئاً من حق الأغنياء وحدهم، وهو الأمر الذى يحوِّل ثقافة الكتاب إلى ثقافة طبقية! بالإضافة للظروف الاجتماعية والسياسية والعملية التى تجعل الأمية والبطالة والتدنى الأخلاقى والعشوائية كلها وغيرها تصب فى نبذ ثقافة الكتاب الذى بات مكانه الطبيعى اليوم على الأرفف وفى المخازن لا بين أيدى الشباب والصغار كما ينبغى له أن يكون!

بنا أو بغيرنا.. تتشكل ثقافتنا

 لا أظن أحداً يختلف معى فى أن العالم كله مقبل على واقع جديد.. ينحدر فيه الدور الأمريكى والهيمنة الغربية بشدة وبشكل سريع للغاية، ويودع الأدب حقبة ما بعد الحداثة إلى حقبة جديدة تتشكل اليوم ولم يسمها أحد باسم، وتتبدل قناعات الناس من اليمين إلى اليسار والعكس، وتتغير المفاهيم والأساليب والنظريات فى سائر المجالات من الطعام والملابس والموضة وحتى صناعة الطائرات والصواريخ، وتعيد ديموغرافية البلدان تشكيل نفسها بسبب النزوح واللجوء وحركات الهجرة المتواترة فى أعقاب الحروب والنزاعات والتوترات.. حتى أن التغيير نال من المناخ والطقس لدرجة أن تجف الأنهار وتنفجر الينابيع من قلب الصحارى! كل هذا يشير إلى أن ثقافات الشعوب ستتغير إن لم يكن طوعاً فقسراً وبفعل فاعل..

 النخب القديمة أكل عليها الدهر وشرب، ولا بد لها من ترميم أو استبدال.. 

والعقول العتيقة الثابتة على نظريات عقيمة ماتت فى بلدان منشئها، ونصر نحن على إعادة إحياءها بعد موات.. 

والأفكار المتكلسة اليابسة الرافضة لأى تغيير أو تطوير أو إرادة لمواكبة التقدم.. كلها ستنضوى وتأفل وتنقرض إنقراضاً ذاتياً بسبب ما سيأتى من تغيير كاسح لن يعترف إلا بذوى القدرة على التكيف مع التغيرات الهائلة التى هى على وشك الحدوث بلا ريب.
 
حياتنا ثقافتنا.. فإما أن نطورها بأنفسنا، أو أن نبقى داخل فقاعة العشوائية والتأخر إلى الأبد..

ثقافة جديدة في الطريق

هناك خبر طالعتنا به الأنباء العالمية وبات من أهم تريندات السوشيال ميديا نبأ الطفل كيران كوازى!

طفل آخر من العباقرة استطاع أن يتجاوز المرحلة الجامعية وهو ابن 14 عاماً فقط.. فما كان من الملياردير إيلون ماسك إلا أن قام بتوظيفه معه فى شركته الكبري (سبيس إكس) كأصغر موظف لديه؛ لأنه ذو عقلية ألمعية سابقة لعمرها..

وكثير من قصص النبوغ المالى فى أمريكا كانت لعباقرة بدأوا حياتهم العملية والمالية فى عمر الزهور، ولعل أشهر نموذج هو بيل جيتس صاحب مايكروسوفت؛ الذى حاز على أول مليون دولار وهو فى سن الثانية عشرة؛ عندما ابتكر برنامج كمبيوتر متطور .. وهكذا بدأ حياته العملية فى سن مبكرة جداً..

 لا يمكن أن نحلم بشباب كهؤلاء أبداً بنظامنا التعليمى والثقافى والعملى القائم؛ لأن الشاب لدينا لا يجرؤ على التفكير فى حياته العملية قبل استكمال تعليمه الجامعى، أي أنه لا يشرع فى التفكير الجاد العملى قبل الخامسة والعشرين! وحينها سيجد أمامه نماذج الناجحين الأثرياء على شاكلة "حمو بيكا ونمبر وان وأفشة وكهربا".. فلا سبيل للثراء والنجاح فى نظر الشباب المصري حينئذ بالطرق المعتادة كما لدى الدول المتقدمة..
 
ثقافتنا تتغير بشكل عشوائى وتؤثر سلبياً على شبابنا الناشئ.. 

وإذا كنا نريد الخير لهذا البلد لابد لنا أن نعيد الإمساك بزمام الثقافة لنحسن توجيهها إلى بوصلة العالم المتقدم، وفى رأيي المتواضع أننا نستطيع بالثقافة وحدها أن نحرك دفة التقدم سريعا نحو غد أفضل..
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: