Close ad

قاطرة الزعيم النووي تصطف بمحطة القيصر

17-9-2023 | 14:57
الإثارة الإعلامية التي صاحبت زيارة الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونج أون، لروسيا، والقمة التاريخية التي عقدها مع الرئيس فلاديمير بوتين، لا يجب أن تخفي في طياتها عددًا من الثوابت الموضوعية، المتعلقة بالقرارات والعقوبات الدولية.


بداية لا أنكر على الميديا العالمية الانسياق وراء التغطية المسهبة لرحلة الزعيم كيم من العاصمة، بيونج يانج، بقطار مدرع وفاخر، تقوده قاطرة روسية، يقطع مسافة تفوق الألف كيلومتر، ويوفر الحماية والترفيه، وما لذ وطاب من الأطعمة.


من بين آلاف البرقيات التي اشتملتها التغطية الإعلامية لرحلة الزعيم، بحثت بين السطور- بحكم الاهتمام الشخصي بالملف الكوري- على معلومة تشفي الصدر لعلها تتحدث عما ستسفر عنه القمة والزيارة من نتائج، ربما تصب في مصلحة الطرفين، وبما تثيره من مخاوف لدى المجتمع الدولي، في ضوء التعقيدات الأمنية الراهنة.


الثابت أن بيونج يانج وموسكو تخضعان حاليًا- وبدرجات متفاوتة - لحصار دولي رهيب، فالأولى شبه مقيدة، بـ 6 قرارات من مجلس الأمن الدولي نتيجة لتطوير برامجها النووية والصاروخية، والثانية محاصرة نتيجة للحرب الدائرة بأوكرانيا.


هنا سوف أركز على أحد بنود الحصار، برصد تسلسل تطوير البرامج النووية الكورية الذي يعود لعام 1980، حينما أنشأت مفاعلها النووي بمنطقة "يونج بيون"، وفي 1985، أقامت مرافق لإعادة المعالجة النووية بالمفاعل؛ مما لفت أنظار العالم إليها.


في ذلك الوقت، وللمفارقة، ضغطت موسكو على بيونج يانج، وطالبتها بإيقاف تطوير المرافق النووية، ونتيجة لهذه الضغوط، انضمت كوريا الشمالية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عام 1985، وفي المقابل، تلقت دعمًا عسكريًا من موسكو شمل طائرات مقاتلة وغيرها من الأسلحة، لكن بيونج يانج ظلت تثير الجدل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول اتفاقية ضمان الأمان النووي، ولم توقع عليها إلا في 30 يناير 1992، أي بعد 6 سنوات من انضمامها لدول معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.


في 10 يناير 2003، أعلنت بيونج يانج أنها ستنسحب من اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي سابقة لا مثيل لها في تاريخ الاتفاقية منذ عقدها في 1970، مما شكل تحديًا حقيقيًا للمجتمع الدولي في مساعيه لحظر انتشار الأسلحة النووية، وفي فبراير 2005، أصدرت وزارة الخارجية الكورية الشمالية بيانًا بأنها "صنعت أسلحة نووية بغرض الدفاع عن النفس"، معلنةً حيازتها للأسلحة النووية، وفي أبريل 2012، سجلت كوريا الشمالية في دستورها المعدل أنها دولة تمتلك أسلحة نووية.


9 أكتوبر عام 2006، أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الأولى. 


ورغم إعراب الدول المحيطة عن قلقها، ومحاولات الصين تثبيطها عن ذلك، أصرت كوريا الشمالية على إتمام تجاربها وإطلاق صواريخ اختبارية، فصدر قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 1718، والذي يهدف إلى منع التجارة في المعدات والتقنيات والأصول المتعلقة بتطوير أسلحة الدمار الشامل أو نقلها بأي صورة، بالإضافة إلى منع المسئولين الكوريين الشماليين المعنيين من الانتقال إلى الدول الأخرى أو العبور من خلالها.


25 مايو عام 2009، أجرت كوريا الشمالية الدورة الثانية من تجاربها النووية، بالمكان، نفسه، الذي كانت قد أجرت فيه التجارب الأولى بمقاطعة "هام كيونج"، واتحد المجتمع الدولي في تنديده بأفعال كوريا الشمالية، وفي 12 يونيو 2009، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 1874، الذي يدعو إلى فرض عقوبات أشد على كوريا الشمالية.


12 فبراير عام 2013، أجرت كوريا الشمالية الدورة الثالثة من تجاربها النووية، وندد المجتمع الدولي، بما فيه روسيا والولايات المتحدة والصين وغيرها من البلاد، بالتجارب النووية، وعليه، مرر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2094، وبموجبه تم فرض عقوبات صارمة على كوريا الشمالية.


6 يناير عام 2016 أجرت كوريا الشمالية الدورة الرابعة من تجاربها النووية، وفي 2 مارس 2016، مرر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2270 لفرض العقوبات على كوريا الشمالية، وتعد العقوبات الأقوى والأكثر فعالية ضمن التدابير غير العسكرية. خاصة أن كوريا الجنوبية قررت وقف العمل في مجمع "كيسونج" الصناعي إثر إجراء كوريا الشمالية للدورة الرابعة من تجاربها النووية.


9 سبتمبر 2016، أجرت كوريا الشمالية الدورة الخامسة من تجاربها النووية، وقد أثارت التجربة النووية الخامسة تكهنات بأن كوريا الشمالية اقتربت من حيازة الصواريخ ذات الرؤوس النووية ونشرها، وعليه، تبنى مجلس الأمن القرار رقم 2321 لفرض عقوبات أشد على كوريا الشمالية.


3 سبتمبر 2017، أجرت كوريا الشمالية الدورة السادسة من تجاربها النووية، وقد رد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إجراء التجارب النووية بفرض المزيد من العقوبات على كوريا الشمالية بموجب القرار رقم 2375.


منذ أكثر من عام والحديث لا يتوقف عن ترتيبات تجري في كوريا الشمالية لإجراء تجربتها النووية السابعة، في الوقت نفسه، ذكر آخر تقرير سنوي صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن بيونج يانج رفعت مخزونها النووي من 25 إلى 30 رأسا نوويا حتى شهر يناير الماضي، مؤكدا أنها قادرة على تجميع ما يتراوح بين 50 إلى 70 من الرؤوس النووية.


في تقرير سابق (2015) نوه المعهد إلى أن إجمالي عدد الرؤوس النووية في العالم يبلغ حوالي 12512 رأسًا، والدول المشاركة في معاهدة حظر الانتشار النووي التي تمتلك رؤوسا نووية بشكل رسمي، هي: روسيا 7400، الولايات المتحدة 7200، فرنسا 300، الصين 250، وإنجلترا 215. أما الدول التي لم تشارك في المعاهدة وتمتلك رؤوسا نووية، فهي: باكستان 120، الهند 110، إسرائيل 80، وكوريا الشمالية 8.


بهذه التقديرات الموثقة والمهددة للأمن والسلم الدوليين، أعود إلى أهم ما لفت نظري من تصريحات صادرة عن القمة الكورية الشمالية – الروسية الأخيرة، حيث تعهد الزعيم كيم جونج أون بدعم روسيا للدفاع عن أمنها القومي، والوقوف ضد السياسات الإمبريالية.


هذا التعهد للزعيم كيم، دفع بوزير خارجية روسيا، سيرجي لافروف، إلى الإعلان عن أن تبني العقوبات الدولية ضد بيونج يانج جاء في بيئة جيوسياسية مختلفة عن الوضع الحالي. وبناء عليه، لن تسمح روسيا - بعد الآن - بفرض عقوبات على كوريا الشمالية.


هنا تتضح – بجلاء - إحدى الخلاصات الصادمة لإرادة المجتمع الدولي، نتيجة لاصطفاف القطار النووي، المهيب، للزعيم الكوري الشمالي، بمحطة روسيا القيصرية الجديدة.



كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة