Close ad

دكتور "جيكل" والسفاح

4-9-2023 | 12:47

تعد رواية "قضية دكتور جيكل ومسترهايد الغريبة "التى نشرت للمرة الأولى عام 1886 ثم تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1941 للكاتب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، واحدة من أشهر أعمال الأدب الإنجليزي وعملاً أساسياً في الرعب. 

كان للرواية القصيرة أيضًا تأثير كبير في الثقافة الشعبية، حيث أصبحت عبارة "جيكل وهايد" مستخدمة في العامية للإشارة إلى الأشخاص ذوي الطبيعة المزدوجة الذين يبدو أنهم طيبون، ولكنهم في بعض الأحيان كتل شريرة لدرجة صادمة.

وتدور أحداثها حول محامي يعيش في لندن يُدعى السيد أترسون يقوم بالتقصي عن أحداث غريبة تقع لصديقه القديم دكتور هنري جيكل وإدوارد هايد الشرير ويرتبط العمل عمومًا بحالة نفسية نادرة أحيانًا ما يُطلق عليها «انفصام الشخصية»؛ حيث يوجد بداخل الشخص الواحد أكثر من شخصية مختلفة. 

وفي الحالة التي تطرحها الرواية، توجد بداخل الدكتور جيكل شخصيتان مختلفتان تمام الاختلاف من الناحية الأخلاقية، إحداهما طيبة في الظاهر، والأخرى شريرة.

وفي الستينيات تجلت اسطورة المجرم المثقف محمود سليمان؛ لأنه كان صاحب دار نشر وكان صديقا لمثقفي تلك الحقبة مثل مصطفى أمين وكامل الشناوي وعبدالحليم حافظ، وارتكب 14 جريمة قتل دون أن يتوصل أحد لهويته إلا حين بلغ عنه زوج أخته، ثم تم القبض عليه في مشهد درامي بعدما حاصره البوليس في مغارة وتبادلا إطلاق النار لمدة 75 دقيقة وسقط قتيلا بـ 17 رصاصة، وأشعلت هذه القصة شرارة الإبداع لدى أديب نوبل نجيب محفوظ فسردها في رواية، نشرت على حلقات في جريدة الأهرام آنذاك ثم خلدها المخرج كمال الشيخ في فيلم "اللص والكلاب" بطولة شكري سرحان وشادية، ويعد من كلاسيكيات السينما المصرية.

ويقال إن خبر مصرعه هو السبب في تأميم الصحف بعد غلطة مطبعية من جريدة الأخبار، كتبت السطر الأول من المانشيت "مصرع السفاح" وفي السطر الثاني "عبدالناصر في باكستان"؛ مما أثار غضب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وأصدر قرار التأميم.

ثم تجلى الكاتب صلاح عيسى في سرد قصص واقعية عن أشهر السفاحين، ولكن على طريقته الخاصة وبمذاق فريد كعادته من خلال كتاب "رجال ريا وسكينة سيرة سياسية واجتماعية"؛ حيث عرض الظروف المحيطة بشخصيتي ريا وسكينة وكل من أحاط بهما رجالا ونساء استنادًا إلى وثائق تاريخية، ولم يقتنع بمرويات الخيال الشعبي، فضلا عن كتاب "أفيون وبنادق سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوخ ثلاث حكومات"، وفيه تناول قصة خط الصعيد محمود محمد منصور؛ الذي كان يقوم بالسرقة والنهب والقتل في الصعيد، ووصلت سطوته إلى حد منع الناس من الخروج في بعض المناطق، ويقال إنه قتل 600 شخص، وسرق 200 محل و 3 قطارات، وبعد مطاردات طويلة تابعها الملك فاروق بنفسه نجح كمين مكون من 60 ضابطًا وجنديًا في قتل الخط يوم 8 أغسطس 1947 وسط عيدان الذرة في أسيوط.

أما ما يعرض الآن على إحدى المنصات تحت مسمى  "سفاح الجيزة" لا يرقى بأية حال لمستوى تلك الأعمال الأدبية والدرامية السالف ذكرها، ولا أعلم لماذا نسعى لتمجيد قاتل وتقديمه على طريقة "جيكل وهايد" التى قتلت بحثا حول الازدواجية النفسية، وكيف يكون السفاح طيبًا هادئ النفس ويقدم الخير لمن حوله، ثم يقتل ويذبح بأبشع الطرق وبدم بارد.

ووفقا للحبكة الدرامية ليس منطقيا أن نقدم رواية مستهلكة فنيا وأدبيا منذ قرن، أما جانب الإثارة والمتعة فهي مقدمة بطريقة مقززة تقشعر لها الأبدان فليس من المنطق في شيء أن أدير وجهي وأنتفض بين الحين والآخر من بشاعة منظر الدم.

وكأن صناع المسلسل انصب جل اهتمامهم على أساليب القتل بين السكين والمطرقة والذبح والتقطيع ولم يتم التركيز على الجانب النفسي والوقوف على طبيعة الاضطراب أو الخلل الذي يدفع هذا السفاح إلى القتل بأريحية وثبات انفعالي مستفز.

ثم يصيبنا وابل من التساؤلات المنبثقة من اندهاشات متكررة: لماذا يرتفع معدل الجريمة والعنف في بلادنا؟  ونحن نشاهد كل هذه الدماء تكسو الشاشات داخل غرفنا.

وكأن الشر هو السلعة الأكثر رواجا، والجرائم تحولت إلى أدوات ملهمة للإبداع، فأين اختفت قصص الحب ونماذج القدوة والقيم المجتمعية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة