Close ad

ياسوكوني: المراسم مهيبة والموتى محل اختلاف

21-8-2023 | 14:11

في اليابان، أجريت يوم الثلاثاء الماضي المراسم الرسمية السنوية، لإحياء ذكرى مرور 78 عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية، في 15 أغسطس عام 1945، بمشاركة 1800 شخص، يتقدمهم، الإمبراطور ناروهيتو والإمبراطورة ماساكو.

قبل عقدين، وتحديدًا في يوم 15 أغسطس عام 2002، حضرت مراسم، مماثلة مهيبة، بقاعة مغطاة عملاقة، على أرض ملعب "نيبون بودوكان"، وسط العاصمة طوكيو، بصفتي مراسلا لـ"الأهرام"، فيما بلغ عدد الحاضرين وقتها 7 آلاف شخص، يمثلون المحافظات اليابانية، ومن ذوي وأقارب الضحايا، معظمهم من كبار السن.

منذ ذلك الوقت، أحرص على متابعة المراسم، بدءًا من بث خطاب الإمبراطور الراحل، شوا، على الراديو، الذي أعلن فيه استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، ووقوف الحاضرين دقيقة صمت في تمام الظهيرة، تكريمًا لقتلى الحرب من الجيش الإمبراطوري، وعددهم 3.2 مليون، بالإضافة 800 ألف قتيل من المدنيين.

في أثناء حضوري لمراسم عام 2002، لاحظت أني أكاد أكون الصحفي الأجنبي الوحيد، بل الأجنبي الوحيد عمومًا، الذي جرى وقوع اختيار نادي المراسلين الأجانب في طوكيو، FCCJ، عليه، لمشاركة اليابانيين ذكرى تكريم ضحاياهم.

أذكر أني كنت –وقتها- في غاية التأثر، خاصة عندما شاهدت السيدة أوكامورا ميتشيكو (الأكبر عمرًا 95 سنة) من مدينة هيروشيما، وقد فقدت اثنين من أبنائها، وكذلك، رأيت أصغر الحاضرين عمرًا، ناجاياما ناؤيا (9 سنوات)، وقد جاء بصحبة جدوده، لإحياء ذكرى رحيل جدود جدوده، نتيجة للقصف الذري الأمريكي البغيض. 

الكلمة التي ألقاها الإمبراطور ناروهيتو يوم الثلاثاء الماضي بهذه المناسبة، جاء فيها نصًا: "بالتدبر في فترة السلام الطويلة بعد الحرب، وبالتأمل في ماضينا مع حمل مشاعر الأسف العميق، آمل بصدق ألا تتكرر ويلات الحرب مرة أخرى.. مع كل شعبنا، أوجه تحية خالصة لكل من فقدوا أرواحهم، سواء في ساحات القتال أو في أي مكان آخر، وأدعو من أجل السلام العالمي والتقدم المستمر في بلدنا".

المعاني نفسها أكدها رئيس مجلس الوزراء، كيشيدا فوميئو، حيث جدد -في كلمته- تعهد اليابان بعدم تكرار الدمار الناتج عن الحرب ثانية، وأن الدفع من أجل السلام سوف يستمر، وأن طوكيو ستبذل قصارى جهدها لحل التحديات العالمية المختلفة.

على هذا النحو، تمر –بمهارة وإتقان- المراسم السنوية اليابانية، لإحياء ذكرى ضحايا حروب بلاد الشمس المشرقة، غير أن المشهد يختلف في موقع مجاور، حيث معبد "ياسوكوني"، ويعد رمزا لعقيدة الـ "شنتو"، التي يعتنقها اليابانيون.

هذه العقيدة كانت ديانة رسمية في اليابان حتى عام 1945، والترجمة الرسمية لاسم معبد ياسوكوني باللغة اليابانية تعني "نشر السلام في عموم الإمبراطورية".
أيضا، يخصص المعبد للصلاة على أرواح ضحايا الحروب التي خاضتها اليابان، منهم 14 عسكريا أدينوا بارتكاب جرائم حرب، ويعتبر غالبية اليابانيين الملايين من قتلاهم في الحرب العالمية الثانية بأنهم ضحايا، باستثناء عدد محدود من مجرمي الحرب من القادة العسكريين، الذين قادوا الأمة إلى حروب مرهقة، إلا أن المشاعر-نفسها- تثير سخط وعداء شعوب الدول المجاورة، وفي مقدمتهم، الصين وكوريا.

خلال إقامتي في اليابان، زرت معبد ياسوكوني مرات عديدة، وفي يوم 22 أبريل عام 2003، تلقيت دعوة من إدارة المعبد لزيارته وللاطلاع على أهميته التاريخية، ولتغطية مراسم الاحتفالات الربيعية، مع عدد من المراسلين الصحفيين الأجانب.

أحد أجنحة المعبد يضم متحفًا حربيًا على درجة عالية من الأهمية بالنسبة لليابانيين، تضاهي –في الأهمية التاريخية- ما رأيته في وقت لاحق (31 يوليو 2003) بالمتحف الحربي الصيني في مدينة "يان شينج"، القريبة من مدينة "نانجينج"، التي شهدت أسوأ مظاهر الاحتلال الياباني، وجرت فيها مذبحة راح ضحيتها 300 ألف مدني في عام 1937، وقد تبارى -وقتها- المرافقون الصينيون في وصف جرائم العسكريين اليابانيين، ومدح بطولات رجال المقاومة الصينية.

الخلاصة التي اقتنعت بها، وقتها وسجلتها في مفكرتي الخاصة عقب زيارة المتحفين الحربيين الياباني والصيني، أنه من الصعب على المرء أن يخفي مشاعره بالتعاطف مع كلا الطرفين، فكلاهما يظهر حماسًا في إبداء الاعتزاز بتاريخه السياسي والعسكري، وكلاهما - في الوقت نفسه - يبدي النقمة والازدراء لعدم احترام الآخر لحقوقه ولمشاعره.

في ضوء ما تقدم، وردًا على قيام رئيس مجلس وزراء اليابان بإرسال قربان شعائري لمعبد ياسوكوني، وقيام أحد أعضاء حكومته بزيارة المعبد، مؤخرًا، يمكن تفهم المشاعر الدفينة - والمتبادلة والمتوارثة إلى يوم الدين - بين طوكيو وجيرانها.

السيد كيشيدا لم يزر بنفسه معبد ياسكوني، مثلما فعل سابقيه - كويزومي جونتشيرو وآبي شينزو حينما كانا في منصب رئيسي الحكومة اليابانية - غير أنه أرسل قرابين في كل من شهر أكتوبر 2021، وشهور أبريل وأغسطس وأكتوبر عام 2022.

في بكين، وجه المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، وانج ون، انتقادًا عنيفًا للحكومة اليابانية، ووصف معبد ياسوكوني بأنه "رمز للحرب العدوانية التي شنها العسكريون، ويكرم مجرمي حرب من الدرجة الأولى في الحرب العالمية الثانية". 

أشار المتحدث إلى أن "الشعب الصيني وشعوب العالم هزموا المعتدين العسكريين اليابانيين والفاشية اليابانية، موضحًا أن ذلك كان انتصارًا عظيمًا للعدالة على الشر، وللنور على الظلام، وللتقدم على الرجعية، وهو ما سيبقى إلى الأبد في تاريخ الأمة الصينية، وتاريخ السعي البشري لتحقيق العدالة".

أيضًا وفي سول، أعربت الحكومة الكورية الجنوبية "عن خيبة أملها وأسفها العميقين لأن القادة المسئولين من الحكومة والبرلمان في اليابان أرسلوا قرابين أو قاموا بزيارات إلى ضريح "ياسوكوني"، لتجميل الحروب العدوانية السابقة لليابان، وحثت سول الشخصيات المسئولة في اليابان على النظر بجدية إلى التاريخ، والتحلي بالتأمل الحقيقي والتوبة من الماضي من خلال الأفعال".

اللافت أن التنديد الكوري الجنوبي جاء متزامنًا مع الترتيبات التي جرت لعقد قمة ثلاثية (أمريكية- كورية-يابانية) بمنتجع كامب ديفيد يوم الجمعة الماضي، وأسفرت عما يمكن وصفه بـ "التحالف الدفاعي غير المسبوق" بين عواصم الدول الثلاث.

[email protected]

كلمات البحث
الأكثر قراءة