Close ad

طوف وشوف.. النرويج

14-8-2023 | 11:51

لا شك أن المعايشة اليومية تعطى الفرصة كاملة لمشاهدة وملاحظة السلوكيات التى اعتاد عليها أهل تلك البلدان عن قرب، وفهم الدور الذى تقوم به تلك السلوكيات فى بنائهم الفكرى الذى يثير إعجابنا باستمرار، أمور قد تبدو بسيطة للغاية لكنها سلوكيات تنعكس آثارها – دون شك - على الحاضر والمستقبل.

المشهد الأول:

فى أحد الأيام Hثناء وجودى فى السوبر ماركت لاحظت طفلاً فى حوالى الثالثة من عمره يتعلق بأمه بشكل لافت للنظر، قابضاً بيده على قطعة شوكولاته مطالباً إياها بشرائها له، وفهمت من إشارات الأم رفضها لذلك، صرخ الطفل بأعلى صوته، وظل يبكى والأم لا تحرك ساكناً وتقوم بشراء احتياجاتها بشكل طبيعى جداً، فقط تلتفت إليه من وقت لآخر وتشير بمنتهى الهدوء أنها لن تشتري الشوكولاتة.

لكن الطفل الماكر "ودن من طين وودن من عجين" وكأنه لم يسمع شيئاً، مستمراً دون ملل فى البكاء والنحنحة، لكن دون جدوى. فى النهاية لم يجد الصغير مفراً من تنفيذ آخر حيلة لديه، الحيلة الماكرة التى لطالما رأيتها تجدى نفعاً مع أى أم، ألقى بنفسه على الأرض مدبدباً بقدميه ويديه وصارخاً على أمه بكل قوة.

وبالفعل تقدمت الأم إليه، وبنفس الهدوء فوجئت بها تطالبه أن يكف عما يفعل، كل ذلك يحدث وأنا أراقب المشهد وألاحظ عدم ضعف الأم واستجابتها لرغبات طفلها، وأيضاً عدم تدخل أحد ولو بمجرد التفاتة بسيطة، أو نظرة يملؤها الغيظ من تلك الأم عديمة الرحمة التى تستحق غرس سكين أو ربما ساطور فى قلبها.

وانتهت الأم من شراء احتياجاتها، ثم التفتت إلى صغيرها وأخبرته أنها سوف تغادر، ولكنه استمر على نفس حاله على الأرض، فاستدارت الأم وتركته وذهبت لدفع ثمن المشتريات استعداداً للانصراف، فما كان من الطفل إلا أن قام على الفور، وقد تحول صراخه إلى صمت تام لاحقاً بها بمنتهى السرعة. 

وتخيلت لو كان هذا المشهد عندنا، طبعًا ما هان الطفل على أمه ولحصل على كل ما يريد، وإلا خافت أن يصفها الناس بأنها قاسية القلب أو ربما فقيرة لا تستطيع شراء احتياجات طفلها... إلى آخره من المبررات التى تؤذى ولا تنفع ولا يدفع ثمنها إلا الأهل فى المستقبل عندما يكبر الطفل وقد اعتاد الحصول على كل ما يريده بأى أسلوب.

المشهد الثاني:

فى أحد الأيام خطر ببالى تصوير الثلوج، لم يكن عندى كاميرا فقررت استخدام الكمبيوتر المحمول للتصوير. خرجت من حجرتى إلى الشارع والثلوج تغطى كل شيء، وأنا مستمتع بتصوير المنظر، وفجأة أظلمت شاشة الكمبيوتر، وكان لابد من استعمال يدي لإعادتها إلى طبيعتها، لكن يدى كان يغلفها ذلك القفاز الذى لا غنى عنه للاحتماء من ذلك الثليج الرهيب، ولم يكن هناك سبيل إلا خلع القفاز، وما أدراك ما معنى ذلك فى النرويج؟ وقررت التضحية من أجل إخراج فيلمى الرائع، تخلصت من القفاز وأعدت الحياة إلى شاشة الكمبيوتر، وفى غمرة سعادتى برؤية منظر الثلوج مرة أخرى على الشاشة نسيت ارتداء القفاز، وما هى إلا دقيقة أو دقيقتان وشعرت بتيبس يدى وتجمدها، نظرت حولى فوجدت منزلا أمامه سيارة، ذهبت إليها فوراً ووضعت حقيبتى وجهاز الكمبيوتر عليها لأتمكن من ارتداء القفاز، وفجأة انفتح باب المنزل وخرج رجل وقور، لم يتحدث بكلمة، فقط ظل ينظر بتمعن إلى وجهى وإلى جهاز الكمبيوتر والحقيبة فوق سيارته وكأنه يسألنى بأى حق أفعل ذلك بملكيته الخاصة دون إذن، فاعتذرت له ومشيت وتعلمت أنه مهما كان الأمر بسيطاً فإن احترام ملكية الآخرين أمر مهم جداً جداً.

المشهد الثالث:

توجهت فى أحد الأيام إلى مقر عملى بالجامعة واكتشفت وأنا أقف أمام المكتب أن الباب لا يستجيب للمفتاح، تصادف فى تلك اللحظة مرور المدير الذى حاول أكثر من مرة أن يفتح الباب لكن دون جدوى، فطلب منى أن أنتظر حتى يتواصل مع مسئول الصيانة للحضور وحل المشكلة، دقائق معدودة وجاء عامل الصيانة وبدأ فى العمل، فوجئت بالمدير يلتفت لى قائلاً لا يجب أن تضيع وقتك فى الانتظار، لم أجد رداً فماذا أفعل والباب مغلق؟ وجدته يصطحبنى إلى إحدى الغرف ويقوم بتشغيل جهاز كمبيوتر، ويطلب منى أن أدخل اسمى وكلمة السر، فانفتحت أمامى كل ملفاتى الموجودة على جهازى الخاص الموجود فى حجرتى، ثم قال الآن يمكنك العمل دون إضاعة وقت.

ما لفت نظرى بشدة هو سلوك المدير مع عامل الصيانة حين وجدته يجلس إلى جواره ويتحدث معه بكل احترام ووقار كزميل له فى العمل، وعندما قلت له أن يعود إلى مكتبه وأننى سوف أظل بجوار العامل ابتسم قائلاً: عملك هنا هو البحث العلمى فاذهب وقم بعملك، أما أنا فمهمتى هى تهيئة المناخ الملائم لكم للقيام بعملكم، هذا هو مكانى حتى أطمئن إلى إصلاح الباب ودخولك إلى مكتبك.

نفس الحديث سمعته منه عندما شاهدته يقف بعد انتهاء العمل يعيد تجهيز ماكينة القهوة ويغسل الأطباق والأكواب فى المطبخ الصغير الموجود لخدمة العاملين، أصابنى الحرج وهو يقوم بذلك وأخبرته برغبتى فى المشاركة والمساعدة، قال لى لا حاجة لذلك، وأشار إلى ورقة تتضمن تقسيم هذا العمل على الإداريين، وشكرنى قائلاً: "مهمتكم هنا هى التفرع للبحث العلمى، أما هذا العمل فهو مهمة الإداريين وأنا منهم".

المشهد الرابع:

أثناء توجهى إلى مكتبة كلية الحقوق بجامعة برجن لفت نظرى أحد الأرفف وقد وضعوا عليها كمية كبيرة من نتيجة العام الجديد أعدتها الجامعة للطلاب، وعرفت أنها متاحة لكل الطلاب، وأنه يمكننى الحصول على واحدة مجاناً، الجميل فى الأمر أن الطلاب لم يزدحموا عليها، ولم يحصل الواحد على اثنتين أو ثلاثة، كل واحد يحصل على واحدة فقط ويذهب تاركاً الفرصة لغيره من الزملاء، لاحظت ذلك وراقبته من بعيد لعدة أيام وسعدت بهذا السلوك.  

المشهد الخامس:

فى أحد الأيام طلبت من الجامعة تمويلى للسفر إلى الهند لإلقاء محاضرة فى أحد المؤتمرات الدولية، رفض المدير لارتفاع تكاليف السفر، فعرضت عليه حضور مؤتمر آخر فى ألمانيا فوافق على الفور، وبعدها بحوالى أسبوع وجدته يخبرنى باستحالة السفر إلى ألمانيا لتعارض الموعد مع التزامات أخرى لنا فى الجامعة، اعتذر لأنه وافق على سفرى إلى ألمانيا دون مراجعة المواعيد، وقرر أن أسافر إلى الهند أيا كانت التكلفة، جلست مع المنسق لحجز الطائرة فوجدتنى سوف أذهب أولا إلى ألمانيا "ترانزيت" فقلت له أنا لم أزر ألمانيا من قبل، هل يمكن أن تطيل فترة الترانزيت قليلاً، قال نعم ولم لا، وجعلها سبع ساعات، سعدت كثيراً حيث يمكننى الخروج وزيارة مدينة فرانكفورت والعودة.

ثم وجدت أن الرحلة سوف تتجه من فرانكفورت إلى أبوظبى فمزحت معه قائلاً انظر ها هى الطائرة سوف تمر فوق مصر، لماذا لا تجعلنى أقضى مع أولادى بعض الساعات، وجدته ينظر إلى ثم يعود إلى الكمبيوتر ليراجع الرحلات المتاحة، ويقول ولماذا بعض الساعات، سوف تقضى معهم يومين، ما رأيك؟ ذهبت إلى المدير لأشكره، فقال لى لا تشكرنى، هناك خطة عمل وميزانية تتضمن إمكانية مشاركتكم فى المؤتمرات الدولية، وسوف أحاسب على عدم تنفيذ بنود الخطة، هذا حقكم وواجبى، لقد رفضت سفرك فى البداية لارتفاع تكاليف السفر من النرويج إلى الهند، لكننى أخطأت فى عدم مراجعتى للمواعيد قبل موافقتى على سفرك إلى ألمانيا، لذلك قررت الموافقة على سفرك إلى الهند ولو كلفنى ذلك من جيبى الخاص، اعتذاراً وتصحيحاً لخطأى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: