Close ad
13-8-2023 | 14:04

ما من مرة يشارك فيها "كيم جونج أون" زعيم كوريا الشمالية، في لقاءات ومحافل رسمية مع كبار مسئولي وقيادات بلاده، أو يقوم بجولات داخلية، إلا وتجد كلمة الحرب حاضرة على لسانه، وفى توجيهاته لحكومته، وإن استرجعت وحللت مضمون خطاباته بالمناسبات الوطنية سوف تكتشف أن حديثه عن الحرب يفوق وبمراحل كلامه عن السلام والوئام وحسن الجوار.

البعض يلتمس العذر "لكيم" ويبرر تركيزه على هذا الجانب دون غيره بالأجواء المتوترة بين شطري شبه الجزيرة اللذين لا يزالان في حالة حرب، منذ توقيع اتفاق الهدنة عام 1953 لوقف الحرب الأهلية بين الأشقاء الكوريين، وفشلت كل المساعي الرامية للتوصل إلى سلام دائم بينهما، كخطوة أولى على طريق توحيد الشطرين، ونزع السلاح النووي "لبيونج يانج" وتجنيب شمال شرق آسيا كارثة نووية تعيد للأذهان مآسي وفظائع مدينتي "هيروشيما" و"نجازاكي" اليابانيتين أواخر الحرب العالمية الثانية.

الاستفسار والسؤال المنطقي الواجب طرحه في ضوء أحاديث "كيم جونج أون" التي لا تتوقف عن الاستعداد لخوض المعركة الشاملة والحاسمة، وكان آخرها نهاية الأسبوع الماضي، هو: هل يمكن أن يُقدم أو يبادر الرجل حقًا بإطلاق الرصاصة الأولى الطائشة ويشعل حربًا ضروسًا قد تلتهم الأخضر واليابس ليس في شبه الجزيرة الكورية وحدها، وإنما في المنطقة بأسرها؟!

إن استرشدنا وصدقنا ما تروجه الميديا الأمريكية والغربية، حول أن "كيم" شخصية مندفعة، ومتهورة، وتصرفاته وقراراته تتسم بالانفعال والشطط الشديد، ولا يمكنك أن تأمن جانبه، ستكون الإجابة الفورية والتلقائية، هي أنه ربما يفعلها في أي لحظة، وقد يلجأ لاستخدام ما تحتويه ترسانته العسكرية من أسلحة غير تقليدية، لكن إن تريثت قليلا وأعملت العقل، ودققت في الوقائع والحقائق الماثلة على الأرض، فكفة النفي ستكون في الغالب هي الراجحة، لماذا؟!

أولا: دعك من الأساطير المنسوجة مخابراتيًا، وتبثها معظم وسائل الإعلام العالمية عن مجمل الأوضاع في كوريا الشمالية في العموم، وعن زعيمها على وجه الخصوص، لأنها تندرج تحت بند لعبة الشد والجذب بين القوى الكبرى المتصارعة في شبه الجزيرة، وتحديدًا الولايات المتحدة والصين، وسعى كل طرف لشيطنة الآخر بأي شكل من الأشكال، وإظهاره أمام الرأي العام الداخلي والدولي على أنه المسئول عن استمرار التوتر، وخنق حمامة السلام في مهدها، فذاك أسلوب قديم محفوظ وأبعاده معروفة من أيام حقبة الحرب الباردة، فضلا عن أن تمسك "بيونج يانج" بالانعزال عن العالم الخارجي وعدم استقبال زوار أجانب ولا سائحين تعطى فرصة أكيدة لشيوع مثل هذه الروايات غير المنصفة والمتحيزة والمغرضة.

فإلحاح "كيم" على "خطاب الحرب" يعكس قلقًا أكثر منه رغبة محفوفة المخاطر للدخول في مغامرة عسكرية غير مأمونة العواقب والتوابع، ومبعث القلق أن كوريا الشمالية لديها إيمان راسخ وثابت بأن نظامها الشيوعي مستهدف من قبل الشطر الجنوبي وحليفه الأمريكي، ويحاولان إسقاطه وإحلاله بآخر يدين بالولاء لهما، وأن مواقف الطرفين وتحركاتهما تؤكد هاجسها بهذا الصدد، وأنه لابد من ردعهما باتخاذ خطوة استباقية بتأكيدها المستمر أنها على أهبة الاستعداد لمنازلتهما، وأنها يقظة وواعية لما يخططان له في الخفاء، وأنه لن يتكرر ما فعله الأمريكيون في العراق  بكوريا الشمالية، مهما كانت التضحيات والأثمان المحتم دفعها.

وعمليًا فإن الشطر الشمالي غير مهيأ ولا يقدر على تحمل ما سوف تسفر عنه الحرب من خسائر بشرية ومادية، على الرغم من امتلاكه رابع أكبر الجيوش في العالم والبالغ قوامه نحو 1,2 مليون جندي، بالإضافة إلى 4,5 مليون في قوات الاحتياط، وقبلها تكاليفها الباهظة التي ستصيب اقتصاده في مقتل، و"كيم" أول المدركين والعارفين بهذا البعد ويضعه في حساباته تمامًا، وهو يخاطب مواطنيه أكثر مما يوجه حديثه للخارج، من أجل حشدهم خلف نظامه.

ثانيا: أن الصين التي تعد أقرب حلفاء كوريا الشمالية لن تدع "كيم" يجر المنطقة للحرب، لأنها لن تصب في مصلحتها وستكبدها خسائر اقتصادية جمة وفادحة، وستؤثر على حركة التجارة عبر الممرات البحرية المهمة في شمال شرق آسيا، ومضيق تايوان، وهو ما سيعنى أزمة اقتصادية عالمية خانقة، وقد يتدفق على حدودها البرية مع الشطر الشمالي أعداد مهولة من الكوريين الشماليين الفارين من العمليات القتالية، حينئذ ستكون في مواجهة مشكلة خطيرة بتكدس آلاف اللاجئين على الحدود، وتتحسب بكين لاحتمال توغل القوات الأمريكية بالشطر الشمالي ووقوفها على حدودها.

بالتالي فإنها ستكون بالمرصاد "لكيم" الذي لن يدخلها دون تشاور وإخطار "بكين" مسبقًا بها وبأسبابها المقنعة المقبولة من جهتها، ولا أظن أن القيادة الصينية سوف تتحمس لاندلاعها، إذ إنها تدرك تمام الإدراك أنها سوف توقد شرارة الحرب العالمية الثالثة، فأمريكا ومعها اليابان وبقية حلفاء واشنطن بالقارة الآسيوية لن يقفوا مكتوفي الأيدي وسوف يصطفون خلف كوريا الجنوبية، وبعدها لا يدرى أحد متى ستنتهي وبأي ثمن.

على الطرف الآخر مع الصين تقع الحدود البرية لروسيا مع الشطر الشمالي، ولا ترغب في نشوب حرب بالقرب منها وهى لم تستفق بعد من معاركها الطاحنة مع أوكرانيا، وتعي أنها ستكون ضد مصالحها الإستراتيجية، حتى في ظل العداء السافر والمعلن بين موسكو وواشنطن، وتتفق في هذا الشق مع التنين الصيني الذي يكتفي باستغلال ورقة كوريا الشمالية بين أوراق أخرى في صراعه على زعامة العالم مع أبناء العم سام، وهو ما تحذو حذوه أيضا حكومة فلاديمير بوتين.

بل إن الولايات المتحدة لا تريد الاشتراك بحرب سوف تستنزف خزانتها، وتلقى بأعباء إضافية على كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين الذين يعارض غالبيتهم تورط بلادهم في حروب خارجية جديدة لا يحصدون من ورائها سوى الخسارة، ومن ثم فإن حديث "كيم" عن الحرب ليس إلا وسيلة ردع لتفادى سقوط نظامه، ولجعل الكوريين الشماليين يجتمعون على قلب رجل واحد في وجه التهديد الخارجي لوطنهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة