Close ad
6-8-2023 | 17:50

لا أبالغ إذا قلت إن رسالة فيلم "أوبنهايمر" الذي يُعرض حاليًا بدور السينما العالمية والمصرية تلخصها جملة ذات مغزى وردت، طبقًا لكاتب السيناريو، على لسان "أينشتاين" صاحب نظرية النسبية، لغريمه ومنافسه الأبرز "روبرت أوبنهايمر"، الأب الشرعى للقنبلة النووية، حينما قال له نصًا: "الآن جاء دورك لمواجهة عواقب إنجازك".

فالعالم الألماني الأصل "أوبنهايمر" شعر بتأنيب ووخز الضمير، وربما الندم، على اختراعه القنبلة النووية ومعه ثلة من العلماء في مختبر "لوس آلاموس "بولاية" نيو مكسيكو، وما أحدثته من دمار مروع، عقب إسقاطها على رؤوس المدنيين اليابانيين بمدينة "هيروشيما" في السادس من أغسطس ١٩٤٥، مما أسفر عن مقتل ١٤٠ ألف شخص، وبعدها بثلاثة أيام أسقطت أخرى على مدينة "ناجازاكي" وأودت بحياة ٧٤ ألفًا، وتلاها إعلان اليابان استسلامها، واحتلال القوات الأمريكية لها.

حينئذ فجع العالم من حجم الدمار الذي خلفته قنبلتا "هيروشيما" و"نجازاكى"، وأصابته صدمة مروعة من صور الضحايا الذين تساقطت جلودهم، ومَن بقى حيًا منهم كان عرضة لصدمات نفسية رهيبة، ولسلسلة أمراض مستعصية توارثتها الأجيال المتعاقبة، وطالبت شعوب الغرب المتحضر، وكيانات أمريكية عديدة برفع سكين التهديدات النووية من فوق عنق البشرية التي لن تتحمل فاجعة ثانية على غرار ما جرى باليابان التي تتجدد أحزانها وتعتصرها آلامها، كلما حل تاريخ السادس من أغسطس من كل عام، وتطلق صيحات استغاثة ومناشدة بوضع حد للرعب النووي.

لكن هل وجدت استغاثات ومناشدات اليابان وغيرها من شعوب الأرض، منذ عام ١٩٤٥ آذانًا مصغية، حتى لا يُعاد فتح بوابة "الجحيم النووي"، وإغلاقها تمامًا للأبد؟!
قطعًا وقولًا واحدًا لم تجد هذه الآذان المنشودة، لأن صناع القرار في أمريكا والقوى الكبرى الأخرى وجدوا في "البعبع النووي" وسيلة ردع مثالية، ودليلًا على الهيمنة وقوة الشكيمة، ومانعًا يُحول دون امتداد يد أحد إليها بسوء وشر، وتفرض مهابتها فرضًا على الآخرين.

بل إن دولًا كثيرة ركضت بهمة وعزيمة خلف "السراب النووي"، وأهدرت مقدراتها الاقتصادية والمالية، بغية امتلاك قنبلة نووية، وبعضها تسبب في تجويع مواطنيها، وحرمانهم من أبسط الحقوق المكفولة لهم، مثل الرعاية الصحية الجيدة، والغذاء الكافي، ولدينا نموذج كوريا الشمالية التي سخرت كل ما في جعبتها من إمكانات ومهارات لبناء ترسانة نووية ضخمة تهدد بها الأشقاء في الشطر الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية، والولايات المتحدة، وتعارض التنازل عنها، وتتشبث بها حتى الرمق الأخير.

وتحتفظ القوى النووية الكبرى في ترساناتها بنحو ١٣ ألفًا و٥٠٠ رأس نووي، ٩٠٪ منها مكدسة لدى أمريكا وروسيا وريث الاتحاد السوفيتى السابق، والمفارقة المبكية أن ممثليهم ومندوبيهم يشاركون بمئات المؤتمرات المعنية بالخطر النووي، ويدبجون الخطابات المنمقة الرنانة عن ضرورة الحد من التسلح النووي، والتخلص من هذا الوحش الجبار القادر على الفتك بكوكب الأرض دون رحمة!!

غير أن الواقع على الأرض مغاير كلية لما يرد في خطاباتهم، فغالبية الساسة غير مكترثين ولا مهمومين بالروادع الأخلاقية والقيم الإنسانية وخلافه فما يشغلهم هو المصالح الذاتية المجردة والأنانية، التي يحددون معاييرها ومواصفاتها، وفقًا لرؤيتهم ومفاهيمهم، والارتقاء إلى المناصب الرفيعة، ومستعدون للتحالف مع الشيطان، من أجل تحصيلها، حتى لو كان عبر أسلحة الدمار الشامل، ومنها النووية.

بل إنهم يشجعون ويوفرون المخصصات المالية اللازمة لتطويرها وتحديثها، لكي تزيد قوتها التدميرية وعنفوانها، ومَن يجرؤ على الاعتراض، أو إبداء ندمه على المشاركة في إعدادها، ويدعو للامتناع عن استخدامها، والتخلص منها يواجه بالتشهير، وإلصاق أبشع وأحط التهم به، وصولا إلى محو إنجازاته العلمية والعملية والتشكيك فيها، مثلما حدث مع "أوبنهايمر" الذي أسندت إليه مهمة إدارة "مشروع مانهاتن" لصناعة القنبلة النووية، ووصف بالبطل القومي المغوار، وكتبت مئات المقالات لمدحه والثناء عليه وعلى عبقريته الفذة المتوهجة، وانقلب من بطل إلى شيوعي يعمل ضد مصلحة العم سام، ويجب معاقبته ومحاكمته على ميوله الشيوعية.

ولماذا نذهب بعيدًا، فمخترع الديناميت "ألفريد نوبل" أوصى بأن يخصص الجزء الأكبر من ثروته للجائزة التي لا تزال تحمل اسمه، تعبيرًا عن اعتقاده بجدوى السلمية، ومع ذلك فقد أقام في حياته ٩٠ مصنعًا للأسلحة، ورغم حسن نواياه فإن أمواله تلك مصدرها "تجارة الموت"، ويبدو أن هذه التجارة السوداء تواصل رواجها وازدهارها بأشكال وأنواع حديثة، تتصدرها الأسلحة النووية، ولا عزاء للواعظين والمحذرين من العواقب.

كلمات البحث
الوحش الأفغاني

بين جبال أفغانستان الشاهقة يختبئ مقاتلو تنظيم داعش خراسان الذى أعلن مسئوليته الشهر الماضي عن العملية الإرهابية التي استهدفت مركزًا للتسويق قرب العاصمة

الأكثر قراءة