Close ad

أوبنهايمر.. صانع الموت

1-8-2023 | 15:41

"سرق "بروميثيوس" النار من الآلهة ووهبها للبشر، وجراء هذا تم تقييده بالصخرة وتعذيبه إلى الأبد" هذه هي الجملة التي بدأ بها الفيلم الأمريكي أوبنهايمر الذي يعرض في كل مكان في العالم تقريبًا، ما عدا اليابان، فقد تم حظر الفيلم فهم عاشوا الفاجعة بأكملها في الواقع!! حقق الفيلم إيرادات غير مسبوقة تجاوزت ٣٠٠ مليون دولار في الأسبوع الأول للعرض.  

بروميثيوس هو إله النار في الأسطورة الإغريقية، وقد خدع كبير الآلهة زيوس، إذ سرق بروميثيوس النار التي خبأها زيوس من البشر، وأعادها للأرض من جديد ليمنح بني آدم القدرة على الاختراع وصناعة الحضارة، لكن لم يغفر زيوس لبروميثيوس، وعاقبه بربط جسده بأحد الجبال، وجعل النسور تأكل من كبده الحي..، وإلى حد كبير هناك تشابه كبير بين بروميثيوس وأوبنهايمر، حيث أراد أوبنهايمر أن يقدم اختراعًا يساعد البشرية حول الانشطار النووي. لكن زيوس أو الإدارة الأمريكية عاقبته عندما أعرب عن ندمه على الأذى والضرر الذي سببته القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي لتنتهي بهما الحرب العالمية الثانية!! 

أوبنهايمر (١٩٠٤-١٩٦٩) لم تكن دراسة الفيزياء ضمن أولوياته العلمية في بداية شبابه. درس اختصاصات مختلفة بينها الأدب الإنجليزي والفرنسي والكيمياء والفلسفة اليونانية والهندوسية، ليستقر في دراسة الفيزياء النووية التي قادته ليصبح المسئول الموضوعي للموت.. فهو الرجل الذي تسبب في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية على مر التاريخ، والذي وقع في معضلة أخلاقية وندم بعدما حلت الكارثة! 

في عام ١٩٤٢، أشرف أوبنهايمر على مختبر لوس آلاموس الشديد السرية في صحراء نيو مكسيكو، ونفّذ أول تفجير نووي في يوليو ١٩٤٥، ثم تم إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي في ٩ أغسطس ١٩٤٥.  

مخرج الفيلم الذي استغرق عرضه ثلاث ساعات.. صنع مشهدًا مذهلا ومرعبا لهذا التفجير النووي، فقد شق ضوء مبهر ظلمة صحراء نيومكسيكو، وأصيب المراقبون بعمى مؤقت رغم الواقيات الزجاجية المعتمة التي كانوا يضعونها، وأطاحت موجة الانفجار ببعضهم وهم على بعد آمن من مركز التفجير، وارتفعت ألسنة اللهب كالجحيم في عنان السماء، أطلقت القنبلة قوة تفجيرية مقدارها نحو ٢٠ ألف طن من مادة "تي إن تي"، وهنا أيقظت بهولها ضمير أوبنهايمر وحسه الأخلاقي، ولكن بعد فوات الأوان!! وقد بدا مرتبكًا ومثقلًا بما صنعت يداه.

ومن المشاهد المؤثرة في الفيلم يقف أوبنهايمر، متحدثًا للجمهور الأمريكي عن لحظة إسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي، ويقول أشهر جملة له: "الآن أصبحتُ الموت، مدمر العوالم"، هذه المقولة مستلهمة من نصوص هندوسية.

فهل هذا المشهد يكشف شعور أوبنهايمر بالندم فعلا؟ وهل أدرك أن يديه ملطخة بدماء ما يزيد على ٢٠٠ ألف قتيل، هذا بالإضافة إلى المصابين بالحروق والتشوهات؟
عموما طوال الفيلم تلاحظ مشاعر العالم أوبنهايمر المضطربة، وحيرته بين العلم كأداة فتاكة وبين سطوة الأخلاق والضمير، ويشعر المشاهد بحالة الضياع والاستسلام التي يعيشها صانع الموت.

وعند لقاء جرى بين أوبنهايمر والرئيس الأمريكي ترومان، عبر فيه الأول عن امتعاضه من قنبلة ناجازاكي، وعندما قال للرئيس إنه شعر وكأن يديه ملطختان بالدماء، وقتها بات من الواضح أنه ليس لدى ترومان مثل هذا الاهتمام الأخلاقي، فقد كان هناك صراع جديد على الأبواب مع الاتحاد السوفييتي، ولهذا أخبر ترومان مساعديه بأنه "لا يريد رؤية أوبنهايمر في مكتبه مرة أخرى"!

وعلى الرغم من ظهوره على أغلفة مجلتي لايف وتايمز اللتين مثلتا الحلم الأمريكي في الداخل والخارج في ذلك الوقت، واختياره رئيسا للجنة الاستشارية العامة لمفوضية الطاقة الذرية، إلا أنه مضى في طريق وقف التجارب النووية، وعارض بشدة تطوير القنبلة الهيدروجينية.

واعتبرت أصوات أمريكية يمينية كثيرة أن ميول أوبنهايمر اليسارية، هي في الأصل شيوعية، وأنه لا يريد لبلاده امتلاك ذلك السلاح الذي ترددت الأنباء حول حصول نظام ستالين السوفييتي عليه، الأمر الذي جعله محطًا لتذمر الخائفين من تنامي الخطر الشيوعي في داخل أمريكا كتيار سياسي، والقلقين من أن يحل الاتحاد السوفييتي ذات يوم، محل ألمانيا النازية.

وفي ديسمبر١٩٥٣، تسلم أوبنهايمر، وهو في معمله، خطابًا من لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي يتضمن أربعة وعشرين اتهامًا!.

وفي مشهد آخر، يحاول أينشتاين، مواساة زميله أوبنهايمر، بعد اتهام الأخير بعدم الولاء لأمريكا بسبب معارضته إنشاء القنبلة الهيدروجينية، ونتيجة لذلك، يفقد في عام ١٩٥٤ منصبه كمستشار للحكومة الأمريكية، ويحدث بين العالمين نقاش، إذ كان أينشتاين مستاءً من أن تكون هذه هي المكافأة التي تمنحها الحكومة الأمريكية لأوبنهايمر بعد السنوات التي قضاها في تطوير القنبلة الذرية التي أنهت الحرب العالمية الثانية، وأن ما حدث مع أوبنهايمر يجب أن يدفعه إلى أن يدير ظهره لأمريكا، كما فعل أينشتاين مع وطنه ألمانيا، في موقف شبيه، غير أن أوبنهايمر المولود في مدينة نيويورك، يرد اللعنة: أنا أحب هذا البلد!!

 وعلي الجانب الآخر أشار الكاتب آرثر ميلر في مذكراته "انحناءات الزمن"، إلى أن صديقه أوبنهايمر أحس قبل وفاته بسنوات بتعذيب الضمير القاسي بعد إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي، وعاش فترة من الحزن العميق وهرب إلى العزلة، ولم يشأ أن يذكره التاريخ كصانع سلاح مدمر أزهق أرواح مئات الآلاف في حرب كانت تشرف على النهاية.

ويذكر ميلر أن مرضه بسرطان الرئة لم يكن سبب اكتئابه، ولم تكن أيضًا المحاكمة التي تعرض لها، خاصة أنه حصل على رد اعتبار من قبل الرئيس جون كينيدي والرئيس جونسون، كان حزنه أشبه بالعقاب الأبدي الذي غرق فيه، مجسدا تراجيديا معاصرة، تشبه مأساة بروميثيوس في الأسطورة الإغريقية.

لا عزاء للإنسانية في هذا العالم، لم تذكر كلمة إدانة واحدة لهذه الكارثة، فقط شعر العالم أوبنهايمر بالندم وعذاب الضمير!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة