Close ad
24-7-2023 | 17:48

خلال اليومين الماضيين شاهدت فيلمين حديثين يعرضان بدور السينما المصرية، وتدور أحداثهما الشيقة والمثيرة عن "جبروت التكنولوجيا"، وما تمثله من تهديد وأهوال للبشرية التي تعيش عصر التعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، وعلم الخوارزميات، وأنه على البشر الحذر والدفاع عن وجودهم وبقائهم على كوكب الأرض، والفوز في الصراع المصيري مع الأتمتة "الاعتماد على الأنظمة الأوتوماتيكية".

إذن هي معركة حياة أو موت كما صورها الفيلمان وغيرهما من الأعمال الفنية، وتلك النغمة النشاز شائعة بكثرة هذه الأيام مع تعمد كثيرين بوسائل الإعلام العالمية ودوائر ومراكز بحثية إشاعة الخوف والهلع من أن "الروبوتات" سوف تتمرد على صانعيها، وربما تقضي عليهم لاحقًا، وأنها ستصبح سببًا في قطع أرزاق مئات الملايين وستدفعهم نحو هاوية البطالة، بعدما باتت قادرة على التعلم والقيام بأنشطة ومهام ووظائف معقدة لا حصر لها كانت حكرًا على الإنسان العاقل النابه على مر الأزمنة.

ولتأكيد صواب استنتاجاتهم، استعان داعمو ومؤيدو هذه الحملة بما أورده الكاتب الأمريكي "مارتن فورد" مؤلف كتاب "حكم الروبوتات"، الذي يرى أن الثورة الحقيقية في عالم الروبوتات لم تأت بعد، وأن ما نراه حاليًا ليس سوى إرهاصاتها الأولية، فهو من المبشرين بأن المستقبل يحمل لنا مفاجآت ستغير حرفيًا وجه حياتنا تمامًا. 
أيضًا استعانوا بما قاله البروفيسور "رافائيل لالين"، بأن القضية الأكثر إلحاحًا التي تواجه حضارتنا في الوقت الراهن، هي كيف تصبح أكثر مقاومة للأتمتة، لكن إذا دققت وتمعنت الأمر مليًا وبهدوء ستصل إلى أن هناك تضخيمًا متعمدًا للمخاوف مما تمثله الروبوتات من خطر على الآدميين.

هذا التضخيم يرجع في جوانب منه لحسابات خاطئة، أو للقضاء على منافسين شرسين في مجال الأتمتة، ومعارضة متطرفة للتكنولوجيا المتقدمة التي تبغي في جوهرها ومنطلقاتها الأساسية النقية التخفيف من الأعباء الملقاة على كواهل البشر، وتسهيل حياتهم وادخار طاقاتهم وقوتهم البدنية.

وإن أعدنا الأشياء إلى أصولها البديهية فإن الآلة لا يمكنها التغلب، أو قل هزيمة العقل البشري الذي ابتكرها وطورها، فهو يستطيع تطويعها وترويضها، إن جاز التعبير، فضلا عن أن التطور التكنولوجي في البدء والمنتهى غير قابل للاستغناء عنه، فهو أداة نواجه بها عيوب ونواقص بمجتمعاتنا.

ونضرب المثال باليابان التي تنتج ٤٥٪ من الروبوتات المباعة في الأسواق العالمية تعاني من مشكلة رهيبة، هي أن ٢٩٪ من تعدادها ـ ١٢٥ مليون نسمة ـ تجاوزت أعمارهم ٦٥ عامًا، ولكي تتمكن من رعايتهم في هذه السن تحتاج لقوة بشرية غير متوافرة لديها، ولجأت للإنسان الآلي لتعويض هذا النقص الناتج عن ارتفاع متوسط الأعمار فيها، وتناقص معدل المواليد.

لذلك إن نظرنا للقوة العاملة باليابان سنعثر على ٦٣١ روبوتًا لكل عشرة آلاف عامل بشري، ويعد من أعلى المعدلات بالعالم، وفي سنغافورة البالغ عدد سكانها ٥.٤ مليون نسمة يوجد ٣٢٧ روبوتًا مقابل ١٠ آلاف عامل بشري، وفي ألمانيا ٣٩٧ روبوتًا لكل عشرة آلاف عامل بشري، وفي هولندا ٢٢٤ روبوتًا لكل عشرة آلاف عامل بشري.

البيانات سالفة الذكر تظهر أن الروبوتات أضحت من العناصر الحاسمة واللازمة للمنافسة الجادة والواقعية في المجالات الاقتصادية والعسكرية، لأنها تتمتع بمزايا عظمى، منها التكلفة المنخفضة للتشغيل، والكفاءة بمعاييرها القياسية، والإنتاجية العالية، والمدة الزمنية القصيرة للتنفيذ.

كذلك فإنها تدحض شائعة الاستيلاء على وظائف البشر، إذ إن العكس هو الصحيح، فتقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي تشير إلى أن الأتمتة ستوفر ٩٧ مليون فرصة عمل جديدة للبشر بحلول ٢٠٢٥، وتخطط ٨٨٪ من الصناعات للتحول إلى الأتمتة فيما يخص البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الخاصة بهم، بالإضافة إلى أن التوقعات تتجه لنمو متزايد في قطاع صناعة الروبوتات بحيث تصل قيمتها إلى ٢٦٠ مليار دولار في ٢٠٣٠.

وحتى تستقيم الأمور ويتضح مغزاها، فإن الانحياز ليس للآلة على حساب البشر أو العكس، وإنما لاستخدام العقل وبيان ما يلقى فيه من أكاذيب وافتراءات، أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيكونان نقمة وليس نعمة للبشرية، وذلك على طريقة المشهد الذي نعرفه جميعًا من فيلم "حياة أو موت" لبطله عماد حمدي: "أحمد إبراهيم القاطن في دير النحاس، لا تشرب الدواء، الدواء فيه سم قاتل".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة