Close ad

60 عامًا من الإلهام بين مصر وفيتنام

24-7-2023 | 14:16

أشهد أن مصر، قيادة وحكومة وشعبًا، تكن قدرًا هائلًا من الأخوة والصداقة، والمودة العميقة، تجاه فيتنام، ليس -فقط- لمقاومتها الأسطورية، وانتصاراتها المذهلة، على المستعمرين، ولكن-أيضًا- لما حققته هانوي من نهضة تنموية رائدة.

في الوقت نفسه، أزعم أن فيتنام تبادل المصريين المشاعر، نفسها، من الأخوة والصداقة والمودة العميقة، لأن مصر كانت -ولا تزال- مصدر إلهام للتحرر الوطني، ودولة رائدة، وشريكًا رئيسيًا، لـ فيتنام، في منطقة الشرق الأوسط وقارة إفريقيا.

أكتب هذه المقدمة الحماسية، تزامنًا مع الاحتفالات، التي تشهدها القاهرة وهانوي، بمناسبة مرور 60 عامًا على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر وفيتنام في عام 1963، ولتنشيط ما يمكن وصفه بالذاكرة الإيجابية الملهمة التي تجمع البلدين.

منذ 5 سنوات، وتحديدًا في أثناء الاحتفال بمرور 55 عامًا على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وهانوي، استمعت إلى كلمة سفير فيتنام الأسبق، د. دو هوانج لونج، وجه فيها الشكر والعرفان والامتنان للمصريين لما قدموه من دعم مادي ومعنوي لنضال فيتنام ضد الاستعمار، في ضوء علاقات الصداقة الحميمة بين الزعيمين الراحلين، جمال عبدالناصر وهو شي منه، وأن مصر كانت من أوائل دول العالم، التي استضافت مكتبًا لجبهة التحرير الفيتنامية في عام 1958.

وقتها، أبلغني السفير دو هوانج لونج بأن زعيم بلاده الخالد، هو شي منه، زار مصر 3 مرات، وكتب خاطرة عند رؤية تمثال أبو الهول - لأول مرة - في شهر يونيو من عام 1946، نصها: "أقدام تمثال أبوالهول أطول من رأس الإنسان.. وإذا نظرنا إلى التمثال الحجري.. في ليلة مقمرة.. فإنه يبدو صوفيًا ومبتهلاً ومهيبًا".

هو شي منه، بطل فيتنام القومي، وأول رئيس، ورائد نهضتها، سميت العاصمة الموحدة (هانوي) باسمه، بعد تحريرها من الاحتلال الأمريكي في 30 أبريل عام 1975، وقد وقع هذا الزعيم التاريخي في حب مصر، وبادله المصريون حبًا بحب، ويحظى نضاله الأسطوري باحترام الملايين من شعوب دول العالم، ويشيرون إلى اسمه بكلمتين، مختصرتين ومؤثرتين، هما: "العم هو".

شاعر مصر العبقري أحمد فؤاد نجم، رثى الزعيم الفيتنامي الخالد، هو شي منه، بعد وفاته في 2 سبتمبر عام 1969، بقصيدة، جاء فيها:

"لما ذاع الخبر وتأكد الإثبات.. صاح السلاح في الحرس.. قال: هو شي منه مات.. الحاكم إللي زهد.. في الملك واللذات.. والزاهد إللي حكم.. ضد الهوى والذات.. مات المسيح- النبي.. ويهوذا بالألوفات.. مات الصديق الوفي.. للخضرة والغابات".

في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الثنائية بين مصر وفيتنام نقلة نوعية على جميع الأصعدة والمستويات، وتحديدًا، بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لفيتنام في عام 2017، تلتها زيارة مماثلة لمصر، قام بها الرئيس الفيتنامي، تران داي كوانج، في عام 2018.

الجانبان المصري والفيتنامي اتفقا على زيادة التبادل التجاري إلى مليار دولار، والإعلان عن توجه الشركات الفيتنامية لضخ استثمارات في السوق المصرية، خاصة في قطاعات: الاستزراع السمكي وبناء السفن وزراعة الأرز، كذلك تعزيز التعاون الثنائي في مجالات، السياحة والتعليم والثقافة.

تظهر إحصاءات الجمارك الفيتنامية أن التجارة الثنائية -بين مصر وفيتنام- بلغت في عام 2022 نحو 502.8 مليون دولار أمريكي، بانخفاض 11.5٪ مقارنة بعام 2021، لتصبح مصر ثاني أكبر شريك تجاري لفيتنام في قارة إفريقيا.

تشمل الصادرات الفيتنامية الرئيسية إلى مصر: أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات وقطع الغيار والمعادن والخيوط وقطع الغيار والهواتف والمركبات والفلفل والبن والخضراوات. وتشمل واردات فيتنام من مصر الخضراوات وفضلات الحديد والمواد البلاستيكية وأسمدة DAP والمنسوجات ومواد الملابس.

في عام 2023، أقامت الدولتان آلية تعاون ثنائي، هي اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وأعلنت فيتنام أنها مستعدة لمساعدة مصر في الوصول إلى دول رابطة آسيان، في ضوء ما تتمتع به مصر باعتبارها بوابة إفريقيا والشرق الأوسط، فيما تعد فيتنام بوابة للشركات المصرية لتوسيع أعمالها في دول الآسيان، وروابطها الاقتصادية، ومع شركاء آخرين في المنطقة.

بالنسبة للشعب الفيتنامي، تعد مصر واحدة من أكثر الوجهات السياحية المفضلة، وأبلغني سفير فيتنام السابق بالقاهرة،  تران ثانه كونج، "بأن مصر وفيتنام تعدان سوقين محتملين يمكن أن يكمل كل منهما الآخر، وقد ازداد عدد السياح الفيتناميين ذوي الدخل المرتفع حتى الآن والطلب على السفر إلى مصر، لاكتشاف الحضارات والثقافات القديمة التي تطورت لآلاف السنين، في المقابل، سيجلب سحر الجزر والبحر والثقافة المتميزة في فيتنام السياح المصريين".

أضاف: "تتمتع فيتنام بخبرة في جذب الاستثمار الأجنبي وتطوير صناعة الترفيه البحرية، واستكشاف موارد الثقافة البحرية، ونتيجة لذلك، يمكن لفيتنام تبادل الخبرات مع مصر، وسوف يلعب رجال الأعمال المصريون والفيتناميون دورًا رئيسيًا في تعزيز التنمية، والارتباط في الاقتصاد البحري للبلدين".

أما السفير الفيتنامي الحالي بالقاهرة، نيجوين هوي دونج، فقد قال: "كنت أتوق لزيارة مصر منذ سنوات عديدة، خاصة عندما أتيت إلى هنا لأول مرة لحضور قمة حركة عدم الانحياز عام 2008 في شرم الشيخ، الآن تحقق هذا الحلم، وفي الأسبوع الأول من وصولي إلى القاهرة، قمت -أنا وزوجتي- بزيارة أهرامات الجيزة، التي يجب أن أعترف بأنها رائعة –رائعة".

أضاف قائلا: "لقد لاحظت –بوضوح- المساعي العظيمة التي تبذلها مصر -قيادة حكومةً وشعباً- في الحفاظ على التراث الحضاري والتاريخي الإنساني، ويتطلع الفيتناميون إلى زيارة الكثير من المعالم السياحية المصرية، وفي مقدمتها الأهرامات، إضافة إلى شواطئ شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي، والصحاري الشاسعة بـ سيوة والفيوم وغيرها.".

وبما أن اتفاقات التآخي بين المدن تلعب دورًا مهمًا في تعزيز العلاقات الثنائية، فقد حظيت مدينتا "نينه بينه" الفيتنامية بمثل هذه الاتفاقية مع مدينة الأقصر، وجاري وضع اللمسات الأخيرة لتشمل اتفاقات التآخي عاصمتي البلدين، القاهرة وهانوي.

تلك هي مجرد سطور مضيئة مما يحظى به كتاب الذاكرة الإيجابية الملهمة بين مصر وفيتنام، ولعل الفترة المقبلة تشهد المزيد من تنامي العلاقات بين البلدين.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة