Close ad
22-7-2023 | 09:29

العلماء كلهم متفقون أن ما يحدث على الأرض هذه الأيام غير مسبوق.

والأمر ليس وليد الأمس أو اليوم، بل إن التغير المناخى حادث ومستمر منذ زلزال هايتى 2010 الذى راح ضحيته أكثر من ربع مليون إنسان! ثم تلاه تسونامى اليابان 2011 الذى هدم بعض أجزاء محطة نووية كبيرة، وسادت مخاوف من تسرب إشعاعى ممتد، وكلف خزينة اليابان مليارات الدولارات. وإذا استعرضنا حجم الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيرات المناخية منذ ذلك الحين سوف نفاجأ بحقائق تفوق الخيال!
 
كان.. وما زال.. ولسوف يزداد

متوالية التغيرات المناخية الصادمة للعلماء وجدوا لبعضها تفسيراً، وكثير منها ما زال فى طور الدراسة للتعرف على أسبابه بدقة.

أكثر من عشر سنوات الآن وهناك سلسلة غير مفهومة من الكوارث الطبيعية تحدث هنا وهناك والخبراء يؤكدون أن تلك الحالة ستستمر وتتفاقم، وقد تؤدى إلى تبعات كبرى قد تغير من ديموجرافيا العالم بأسره!

 وإذا بدأنا بفيضان الولايات المتحدة الأمريكية الأخير الذى أصاب قلب نيويورك وما حولها، ثم ارتددنا للخلف، فربما نذكر كيف أن عام 2022 انتهى وقد كلف خزائن الدول نحو 40 مليار دولار وتضرر من جراء كوارثه نحو 50 مليون إنسان، بإجمالى 187 كارثة فى نحو 79 دولة! أمر هائل. 

ولم يكن هذا العام هو الأعنف من حيث الكوارث ولن يكون. إذ تقول التوقعات إن وتيرة التغيرات المناخية تتسارع وأن آثارها المدمرة تتفاقم، ولربما كان الأسوأ لم يحدث بعد.. هذا ليس تخويفاً بقدر ما هو تحذير ونذير يستدعى تمام الاستعداد والتأهب.

والأرقام تؤكد أن عام 2021 كان الأشد والأنكى، وأنه جاء فى أعقاب كورونا ليضاعف خسائر الدول كافة؛ وبالأخص دول أوروبا؛ إذ وصل حجم الخسائر حول العالم آنذاك ما يزيد على 280 مليار دولار لم يغطِ التأمين منها إلا أقلها! ولعلنا نذكر كيف ظهرت أحجار الجوع المنذرة بالجفاف والمجاعات إثر تعرض عدد من أنهار أوروبا لموجة جفاف سريعة غير مسبوقة، تلاها تكرر الظاهرة فى الصين وأمريكا، ثم تلا ذلك موجات من الفيضانات العارمة. 

كأن ثمة رسالة عليا أن العذاب يأتى بالشيء ونقيضه معاً! 
 
وفيما بين عام 2011 وعام 2021 حدثت مئات الكوارث مختلفة الضخامة والأثر، والتفسيرات العلمية تتفاوت وتتباين، لكن الثابت أن هناك تغيرات موازية فى خارطة التوزيع السكانى لابد لها أن تحدث إن لم يكن عاجلاً فآجلاً!
 
هذه المرة.. ليست الحرب السبب!
 
ما قبل كورونا كانت أوروبا تشكو ارتفاع معدلات النزوح والهجرة واللجوء إثر ما حدث فى سوريا وليبيا من نزاعات، وفى لبنان من فراغ سياسي وانهيار اقتصادى.. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتحدث هجرة عكسية من أوروبا لآسيا الوسطى وروسيا. وليصبح حال أهل أوروبا على المحك..
 
ففى كل مرة يحدث فيضان استثنائى أو جفاف يمتص الأنهار أو بركان أو زلزال.. تبدأ الكتل البشرية تتحرك إلى مناطق آمنة مؤقتاً حتى زوال الأزمة. 

غير أن تكرر الأزمات يجعل موجات النزوح تلك تتحول من كونها مؤقتة إلى هجرة بلا رجعة، خاصةً وأن شركات التأمين باتت غير قادرة على الوفاء إلا بقدر ضئيل من الخسائر الناجمة عن الدمار الواسع الذى يحدث إثر كل كارثة، بل إن بعض الدراسات بدأت تتحدث عن ضرورة التفكير فى حلول مستقبلية فعالة فى ظل تعرض القارة العجوز لتهديدات وجودية حقيقية، وأن أوروبا لا تواجه فقط خطر زيادة الكوارث بشكل يهدد حياة بعض الأفراد، بل إنها كوارث قد تهدد مدناً بل دولا بأكملها!

 إن الحرب الروسية الأوكرانية التى امتدت لعام ونصف عام حتى الآن، لم تستطع أن تصل بعد لتحطيم الرقم القياسي للخسائر البشرية والمادية الناجمة عن كوارث عام 2021 وحده؛ ما يعنى أن الكوارث الطبيعية المدمرة حال تفاقمها فإنها ستكون فوق قدرة البشر على مواجهة تبعاتها وآثارها المهلكة، وأنها أقوى من أى حرب. 

ولعلنا نذكر كيف أن زلزالاً واحداً كزلزال قهرمان مرعش 2023 فى تركيا وسوريا، بقوة وصلت إلى 7.8 ريختر أزال قرى من الخريطة فى لحظات، وتسبب فى قتل وفقدان نحو 52 ألف قتيل وما يزيد عن مائة ألف مصاب، ناهيك عن الدمار الواسع الذى ساوى المبانى بالأرض، بل وحرك شرائح الأرض الباطنية عدة سنتيمترات ليصبح لفظ "إعادة تشكيل الخارطة" ينطبق على معنى ما يحدث حرفياً!!
 
كل هذه الكوارث وغيرها مر على البشرية خلال السنوات القليلة الماضية ونسيناها فيما ننسى من حوادث وأحداث. 

لكننا الآن نعود إلى تذكرها بعد أن أكدت المراصد العالمية أننا فى قلب ظاهرة جديدة من ظواهر الاحترار هى ظاهرة النينو!

النينو .. والقبة الحرارية.. معاً!
 
عندما يتحد أثر الصهد المرتفع من الأرض، مع إحكام الغطاء الجوى من أعلى فإن النتيجة تكون كما نشهدها اليوم من احتباس حرارى غير مسبوق..
 
ظاهرة النينو هى ظاهرة ارتحالية تأتى بسبب تدافع وانتقال كتل هائلة من المياه الحارة من المناطق الاستوائية إلى أماكن أخرى بفعل حركة الرياح، وهى تتسبب فى ارتفاع الحرارة بشكل سريع والأدهى أنها تتسبب فى ارتفاع نسبة الرطوبة والتى تزيد من الإحساس الفعلى بارتفاع الحرارة، وقد تسببت تلك الظاهرة فى إحداث آثار سلبية عديدة فى كثير من البلدان النامية.

أما القبة الحرارية فهى ظاهرة أخرى تحدث فى طبقات الجو العليا تؤدى لمنع تسرب الهواء الساخن خارج الأرض بل تعيد دفعه لسطح الأرض فيما يشبه تأثير الصوبة الزجاجية! 

ومع زيادة سطوع الشمس واستمرار إشعاعها الحرارى مدة طويلة أثناء النهار الطويل تكون النتيجة أن درجات الحرارة ترتفع لدرجات غير مسبوقة خلال عدة أيام، وقد تصل فى بعض دول الخليج العربي إلى ما يزيد على 50 درجة مئوية!
 
نحن الآن نشهد اجتماع هاتين الظاهرتين، وهو ما يفسر الارتفاع الملحوظ وغير المسبوق فى درجات الحرارة على كافة الأنحاء وخاصة فى أسوان ومدن الصعيد.. فها هو الصهد والنينو والقبة الحرارية فى اتحاد نادر يدعو الجميع إلى الفرار فوراً إلى أقرب شاطئ!

الشواطئ لم تعد حلاً!

 الحل السهل عند بعض الأسر المصرية هو الفرار من جحيم الصيف إلى جنة المصائف.. لكن المصيف عند البعض هو جحيم من نوع آخر!
 
ففى ظل ارتفاع الأسعار وجشع المؤجرين والتجار، تتحول المصايف إلى حلم بعيد المنال لكثير من الأسر المصرية، ثم إن الحوادث المتكررة لظهور أسماك القرش بمختلف أنواعها وأحجامها تسبب فى ذعر لدى بعض الأسر الأخرى، إلا أن هذا لم يمنع أن تمتلئ الشواطئ بزائريها، ولا ريب أن موجات النزوح والتدافع نحو الشطآن ستشهد تزايداً خلال الفترة القادمة..
 
غير أن ما يحدث من تغير مناخي يتطلب مزيداً من الحذر عند ارتياد الشواطئ خلال تلك الفترة الحرجة التى يزيد فيها تأثير الأشعة الضارة على أجساد المصطافين. وربما كان الأولى عدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترات طويلة بما يتسبب فى حروق وتقرحات قد تدوم أطول من المعتاد.

 إذن أين المفر من تلك القبة الجهنمية إذا كان الاختيار السهل قد بات عسيراً على الكثيرين؟! لم يعد فى الجعبة إلا ثلاثية الظل والماء والتكييف! لكن العجيب أن شوارع مصر الملتهبة ما تزال تكتظ بكتل البشر السائرين فى ربوعها غير مكترثين بلهيب القيظ، دفعاً لسوط الفقر والحاجة!
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: