Close ad

الدكتورة دليلة الكرداني: أول مشروع تراثي لي كان وقف الباشا في جدة بالسعودية | حوار

17-7-2023 | 14:32
 الدكتورة دليلة الكرداني أول مشروع تراثي لي كان وقف الباشا في جدة بالسعودية | حوارد. دليلة الكرداني الفائزة بجائزة الدولة التقديرية في مجال الفنون
رنا شعبان ـ عدسة: فادى قدسي
نصف الدنيا نقلاً عن

د. دليلة الكردانى سيدة من طراز رفيع ورمز من الرموز المصرية فى مجال الهندسة المعمارية والحفاظ على التراث الحضاري، حصلت على العديد من الجوائز المحلية والدولية فى العمارة، وخلال رحلة عطاء استمرت أكثر من 40 عامًا أسهمت  خلالها فى تطوير وترميم العديد من المبانى التراثية بتصميمات هندسية من إبداعها مثل (مركز بلدية دمنهور التاريخي، قصر السلطانة مَلك بمصر الجديدة، وإعداد وتنفيذ سيناريو العرض المتحفى لمتحف المركبات الملكية، حديقة التاريخ ببورسعيد وترميم وإعادة تأهيل مبنى غرناطة بمصر الجديدة وغيرها، فضلا عن الشراكة العلمية التى بدأتها منذ  2006 بإنشاء بروتوكول للتعاون الأكاديمى مع جامعة براندنبورج بكوتبوس بألمانيا لتنفيذ ورش عمل مشتركة بين كل من مصر وألمانيا وسوريا ولبنان.

موضوعات مقترحة

وفى هذا الحوار لمجلة نصف الدنيا نقدم محطات رئيسية فى نجاحها والذى توجته بالفوز بجائزة الدولة التقديرية فى مجال الفنون. 

 

ـ أهنئك على فوزك بجائزة الدولة التقديرية فى مجال الفنون كيف جاء ترشيحك للجائزة؟
 قالت مبتسمة: شكرا جزيلا، لقد سعدت عندما أبلغني، رئيس القسم بكلية الهندسة جامعة القاهرة أنه رشّحنى ضمن قائمة المرشحات لجائزة الدولة التقديرية، فمنذ عام 1980 وأنا أعمل بجامعة القاهرة فى التدريس والإشراف على الأبحاث الأكاديمية، وبالتالى كان تقدير جامعتى أجمل شيء بالنسبة لي.

ـ كيف كان رد فعلك بعد ترشيحك؟ وهل توقعتِ الفوز بالجائزة؟
لم أتوقع مطلقا.. بسبب وجود قامات كبيرة كانت مرشحة معى للجائزة، ولم يخطر ببالى لأن المجلس الأعلى للثقافة على الأرجح يرشح فنانين وغيرهم من المشاهير فى مجال العمارة، وبالتالى فإن الحصول على الجائزة كان مفاجأة سارة بالنسبة إلي، كما أن مجرد ترشيحى من كلية الهندسة جامعة القاهرة محل دراستى وتدريسى أيضا بصفتى أستاذ جامعة جعلنى فى سعادة غامرة وكأنه فوز بالجائزة ويُعد بالنسبة لى أفضل تكريم.. 

ـ ما أهم الجوائز الدولية التى حصلت عليها فى مجال الهندسة المعمارية؟ 
بالفعل تم ترشيحى لجائزة ArcVision المرأة والعمارة - وهى جائزة مجتمعية دولية تقدمها مجموعة «إيتالسيمنتي» الإيطالية للمهندسات المعماريات اللاتى يقمن بأبحاث وتصميم وتنفيذ أعمال متميزة اجتماعيا وثقافيا، وذلك ضمن القائمة القصيرة وأتذكر وقتها أن الجائزة ذهبت إلى دولة الأردن، ولكن سعدت بترشيحى لتلك الجائزة المرموقة.

ولكن فزت بالفعل بجائزة (أكروم الشارقة) عن تصميمات للترميمات اللازمة لمبنى بلدية دمنهور الأثرى والذى تحول إلى مركز الإبداع بالمدينة..وهذه الجائزة أكروم تابعة لمنظمة اليونسكو وتهتم بالمواقع الأثرية والتراثية من تأهيل وترميم معمارى للمبانى القديمة مع الحفاظ على ملامحها التاريخية، حيث تواصل معنا صندوق التنمية الثقافية لترميم بلدية دمنهور عام 2009، وفوزنا بالجائزة الأولى 2010 وتم تسجيل المبنى كأثر تاريخى خلال عملنا به.

كما حصلت على الجائزة الأولى عن التصميم الهندسى المعمارى لعمارة سكنية تم ترميمها وتأهيلها بحدائق القبة وأطلقت عليها اسم سرايا القبة، وحصلت على المركز الثانى لجائزة عن مشروع ترميم مبنى أثرى كان من المتوقع هدمه لبناء برج ضخم، ويقع المبنى فى شارع محمد فريد بجانب بنك مصر الفرع الرئيسى الذى بناه طلعت حرب،وهو مبنى عريق صممت له مشروعا ترميميا يحتفظ بالواجهة التاريخية مع تعديلات بالمبنى ولكن مع الأسف لم يتم تنفيذ التصميمات.

ـ ما أبرز محطات نجاحك فى مجال الهندسة المعمارية؟
مسيرة طويلة ولعل أبرز هذه المحطات إعادة تأهيل قصر السلطان حسين كامل (السلطانة ملك) بمصر الجديدة ليكون مركزا للتطور التكنولوجى والابتكار الصناعى التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وترميم وإعادة تأهيل مبنى غرناطة بمصر الجديدة ليكون مركزا ترفيهيا وثقافيا وموقعا للمعارض المختلفة تابعا لشركة مصر الجديدة، وإعداد وتنفيذ سيناريو العرض المتحفى لمتحف المركبات الملكية ببولاق، وترميم وإعادة تأهيل مبنى البلدية بدمنهور ليكون مركزا للإبداع الفنى والثقافى يديره صندوق التنمية الثقافية، ومشروع تصميم والإشراف على تنفيذ قصر ثقافة الأقصر، ومشروع إعادة تأهيل وتصميم استكمال مركز مصر للتراث بالأقصر، إضافة إلى العديد من مشروعات الترميم مثل مقر جمعية المهندسين المصرية التاريخى بالقاهرة وعقار الجزيرة هاوس بالزمالك وعقار ملك يوسف تقلا بشارع قصر العينى بالقاهرة، والكثير غيرها.

ـ بوصفك رئيس لجنة الحفاظ على التراث الحضارى ما مساهمتك فى الحفاظ على تراثها المعمارى فى محافظة بورسعيد؟
محافظة بورسعيد مسقط رأس  زوجى المعمارى جمال بكرى وكنا نقضى إجازتنا فى بورسعيد برفقة الأهل والأقارب، فى الوقت نفسه كان المهندس جمال يُشرف على العديد من المشروعات بمحافظة بورسعيد حتى أسند لى عام 1994مشروع تطوير حديقة الطفل، ثم عكفت على رسم التصميمات المعمارية وأطلقت عليها بنفسى اسم (حديقة التاريخ)، وكانت فكرتها الأساسية ترسيخ أبرز المحطات التاريخية البطولية لبورسعيد من بداية الحفر حتى تأميم القناة ثم العدوان الثلاثى 56 ثم حرب 73، تم تصميم منظر إبداعي طبيعى من خلال الحديقة من نوافير، ومقصورة، ومسرح تعبر عن تاريخ بورسعيد.

وللأسف قرر محافظ بورسعيد وقتها بناء سور يُحيط بالحديقة للحفاظ عليه من سوء استعمال المكان الترفيهى والتاريخى مما اضطرنى إلى رسم تصميم هندسى مناسب برغم اعتراضى على الفكرة.
أما عن الجانب الإيجابى فالمحافظ الجديد أمر بهدم أسوار الحدائق مع وضع قواعد للحفاظ على المكان وفتحها على ميدان مصر، وتم وضع تمثال فنى ضخم يعبر عن (الفلاحة المصرية) وهى تحمل قرص الشمس، وترى السفن التى تمر من قناة السويس المنظر البديع من وسط البحر، ويعد ذلك رد اعتبار لمن حفروا وبذلوا أرواحهم فداء مصر من أهل بورسعيد.
وفى عام 2006 تقلدت منصب رئيس لجنة الحفاظ على التراث الحضارى ببورسعيد، وبمساعدة العديد من التخصصات ورفقة المهندس شريف تم تسجيل حوالى 650 مَعلما تحت بند «مبانى ذات قيمة»، وتم وضع 5 عناصر للقيمة (قيمة معمارية، تاريخية، سياحية، رمزية، أحداث وأشخاص أثرت فى تاريخ بورسعيد) طبقا لقانون 144 لعام 2006 ).

ـ كيف مزجت بين التراث والحداثة عند تطويرك قصر السلطانة مَلك؟
استغرقت إعادة تأهيل قصر السلطان حسين كامل (السلطانة ملك) بمصر الجديدة وقتا فى التصميم ثم التنفيذ ليكون مركزا للتطور التكنولوجى والابتكار الصناعى التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث تم ترميم المكان وتطويره ليناسب الهدف من استغلاله، فجمعنا بين الشكل العصرى وملامح الأثر التراثى التاريخي، وكان من أحد التصاميم المميزة فور تنفيذها والانتهاء منها.

ـ د. دليلة لماذا تعد تصميمات البيوت والمبانى التراثية التى تعود إلى قرن من الزمن، أفضل من المبانى الحالية برغم التطور المعماري؟
سؤالك مهم.. وتحتاج الإجابة عنه إلى رسالة دكتوراة لمناقشته والبحث فيه، ولكن باختصار نحن نعيش إذا جاز التعبير فى عصر مسخ ثقافى يؤثر في عناصر عديدة فى حياتنا منها العنصر الهندسى المعماري، كإحدى أدوات الفن والإبداع التاريخى للعمارة.

بالطبع نحن لا نستطيع البناء على الطراز الهندسى المعمارى القديم لأن الأفكار تطورت والإبداع لا يتوقف، لكن ما أود حسمه من هذا السؤال.. لماذا نعيش فى عالم لا يشبه طبيعتنا وملامحنا؟ بمعنى آخر المدن الجديدة مثل التجمع أو أكتوبر أغلبها مبان لا تُعبر أبدا عن الثقافة المصرية، كذلك المولات التجارية  تعبر فى الأصل عن  ثقافة خليجية لأن الطبيعة المناخية تناسب الأماكن المغلقة المكيفة، لكن مصر تتمتع بمناخ متميز وتربة خصبة أين المساحات الخضراء والحدائق للتنزه؟ أين الأشجار والبيوت التى تشبه طبيعتنا البيئية؟
وتستطرد د. دليلة قائلة:  ونجد أن الأرياف والنوبة مازالت تحتفظ ببعض عناصر البيئة المصرية مع الحداثة فى آن.. مثل البرجولة التى أعلى البيوت تصميم هندسى ممتاز يوزع درجة الحرارة أسفل المكان مع عدم تراكم الأتربة والأمطار، الأمثلة والمقارنات عديدة، وأعتقد أنه يجب أن نحتفظ بالهندسة المعمارية التى تناسب طبيعة حياتنا.

-تتمتع مصر بتصميمات معمارية فريدة من نوعها تعبر عن العصور (الفاطمي، العباسي، القبطي، الإسلامى أو حتى الطراز الأوروبي مثل وسط البلد)، وبالرغم من ذلك أغلب المبانى مسمطة الهوية والتصميم..ما تفسير ذلك؟
مرت مصر مثل دول عديدة بحقب زمنية متعددة... وترك كل من مَر عليها بصمة وأثرا، أما مبانى وسط البلد فكانت نتيجة رغبة الخديوى إسماعيل آنذاك أن يجعل مصر قطعة من أوروبا وبرغم براعة تصميمها فإنها لا تشبه هويتنا المصرية، فضلا عن عيوبها بالتصميمات، فالشوارع شاسعة بينما مداخل وأزقة العمارات ضيقة لا تناسبنا.
كما أنه لا توجد مساحة للمبدعين من مهندسى العمارة لإظهار إبداعاتهم الحقيقية فتصبح حبيسة الأدراج.... مصر غنية بأولادها الموهوبين، أتمنى أن تتبنى الدولة طلابنا وعمل مسابقات فى جميع أنحاء الجمهورية لاختيار أفضل تصميم هندسى معمارى سواء لترميم مبان أثريه، إدارية أو بنايات سكنية مثل الرحاب، فهى مكان هندسى مميز كان نتيجة مسابقة فاز بها من صمم المدينة.

ـ هل تفضلين لقب أستاذة جامعية أم مهندسة معمارية مع العلم بأنك رائدة فى المجالين؟ وما الفرق بين الطلاب فى عصرك والطلاب الآن؟
تضحك قائلة: أنا أُفضل لقب باشمهندسة، بالطبع أعشق عملى أستاذة جامعية لكنى أفضل أول لقب حصلت عليه من أهلى وأقاربى وهم ينادونى باشمهندسة دليلة، ثم أصبح لقبا رسميا فور تفوقى فى شهادة الثانوية العامة والتحاقى بكلية الهندسة.

بالنسبة للجو الطلابى فى الجامعة بلا شك أعتقد أن أجيال هذا العصر هى الأفضل لأنها تواكب التكنولوجيا والتى ساعدتهم كثيرا على الحصول على العلم بوفرة مقارنة بأيامنا نحن فى السبعينيات، أتذكر جيدا أننى عندما أريد البحث عن معلومة أو مراجع فى الهندسة المعمارية كنا نذهب إلى المركز الثقافى الفرنسى بالمنيرة للنظر والبحث فى الكتب والمراجع وأغلبها لم تكن متوافرة آنذاك، بينما الآن يمكن للطالب بضغطة زر أو لمسة إلكترونية على جهاز الموبايل أو اللاب توب أن يحصل على كل المعلومات والكتب والمراجع من دون أى جهد. كما توجد حاليا برامج للتصميمات الهندسية المعمارية فى لحظات حيث يتم التصميم من دون رسم أو نسب رقمية... وأعتقد أن مصر غنية بأولادها، والحقيقة أننا لدينا آلاف الطلاب من خريجى كلية الهندسة (قسم عمارة) وهم بارعون فى تصميماتهم، فقط تنقصهم الفرصة الجيدة وتَبنّى أفكارهم.

ـ كيف كان إحساسك بعد زيارتك وقف الباشا، وهو أول مشروع هندسى معمارى شاركت فيه فور تخرجك عام 1980، بعد أربعين عاما تفصل بين الطالبة دليلة ود. دليلة المهندسة المعمارية والأستاذة الجامعية؟
كدت أطير من الفرحة، كان جسمى على الأرض ولكن روحى كانت تُحلق فى السماء من البهجة والسعادة، وعثرت بعد أكثر من أربعين سنة على مشروعى الأول بعد التخرج فى مكتب المعمارى العالمى جمال بكرى (الشركة المصرية الألمانية للاستشارات الهندسية) من أجمل المفاجآت التى حصلت فى حياتي..وهذه الزيارة الثانية التى أزور فيها جدة هذه السنة فى السعودية بعد غياب 40 عاما! وكنت أعلم أنه قد تم تنفيذ مشروعنا لتصميم المبنى الرائع لوقف الباشا فى جدة القديمة. ولكن لم أزره، وقام العزيز د. طارق والى بتصويره من حوالى 30 عاما بعد الانتهاء من تنفيذه فى جده.

وفي أثناء زيارتى السابقة سألت الزملاء فى وزارة الثقافة السعودية عن مكانه ولم يتعرفوا إليه، لكن يبدو أن اسمه تغير من (وقف الباشا) إلى (أبراج الباشا). وفي أثناء جولتى فى حى البلد تعرفت إليه بمحض المصادفة... كدت أطير من الفرحة... رافقتنى العزيزة مونيكا حنا، والزميلة د. سيلفى دينوا..كنت أشعر بسعادة لا توصف عند رؤية مشاركة بسيطة فى مشروع ضخم تحت إشراف المُعلم الكبير المصمم المعمارى الفنان الراحل  جمال بكرى) ومساعديه المهندسان مجد مسرة وأمين فرج أمين، حيث أسند إلىّ المهندس جمال بكرى تصميم الواجهات فهو مبنى تراثى أثرى فى الأصل. أما عن حكاية أبراج الباشا فهو فى الأساس وقف تراثى هجره أهله بعد ثورة البترول بالمملكة العربية السعودية وانتقالهم إلى مبان مكيفة بسبب حرارة الجو الشديدة، فأسند رئيس بلدية جدة آنذاك مشروع التطوير والترميم للمهندس جمال كمصمم عالمى وتم إسناد دور صغير إليّ وهو  الواجهات والطابع العمرانى فى هذا المشروع العملاق، وكنت متدربة مبتدئة حديثة التخرج في هندسة جامعة القاهرة.

ـ ما دور المهندس المعمارى العالمى جمال بكرى أحد رواد مجال التصميم الهندسى المعمارى فى مصر وشريك حياتك فى مسيرتك؟
جمال لم يكن زوجى وشريك حياتى فقط... بل كان دائما الأستاذ والمُعلم العظيم فى كل شيء وكان مثقفا من الدرجة الأولي، ونهم فى طلب العلم والبحث عن كل جديد فى مجال الهندسة المعمارية، وسافرنا أغلب دول العالم لمشاهدة المبانى وأسلوب بنائها وروعة تصميماتها، وهو فنان وعبقري، كما أنه نصير وداعم للمرأة بشكل قوى، كان يدفعنى دائما إلى الأمام ويشجعنى، وفى الواقع ترك فراغا كبيرا فى حياتى برغم وفاته منذ 17 عاما.  ولكن أثر المحبين دائما باق لا يزول. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة