Close ad

مؤامرة لندن 1840  

26-6-2023 | 16:55

دائمًا ما ساورني اعتقاد بأن دول الغرب وكثيرًا من الشرق، من الدول المؤثرة والفاعلة، يتعاملون مع مصر بمنطق أنه غير مسموح بتقدمها وتطورها المقلق لأوضاعهم، كما أنهم لا يسمحون في نفس الوقت، بانهيارها المزعج لترتيباتهم، أي أن الوضع المثالي لهم، هو أنه ليس على مصر أبدًا أن تسبح، أو أن تغرق، إنما تطفو فحسب.   

ويبدو أن الشواهد ليست بعيدة، خصوصًا ما جرى من مؤامرات ضد مشروع محمد علي لبناء مصر الحديثة المستقلة، قبل قرنين من الزمان، فقد قادت بريطانيا العظمي ترتيبات، ورطت فيها أطرافًا أوروبية، جمعتهم لتوقيع معاهدة لندن 1840 وتفعيل بنودها، مستخدمة حيل ودهاء السياسة الإنجليزية، ثم بالحرب المباشرة.

ويشرح كتاب المفكر والدبلوماسي الدكتور محمد عبدالستار البدري "المواجهة المصرية - الأوروبية في عهد محمد علي" (الطبعة الثالثة ـ مركز الأهرام للترجمة والنشر) التفاصيل الغائبة عن كثير من المثقفين، وربما أيضا المتخصصين، تلك التي قادت محمد علي إلى هذه المواجهة، لقد حول الرجل مصر إلى كيان مختلف عن بقية ولايات الدولة العثمانية المتهالكة، فمنذ أسندت له النخبة ورجالات العصر حكم البلاد، بدأ في ترتيبات إدارية ونفذ أعمال بينة تحتية منعدمة، ثم بناء جيش وطني قوي، أحاطه بكل الصناعات والمؤسسات التي لا غنى عنها.

وبسبب التطور الهائل في الإدارة وبناء القدرات الزراعية والتعليمية والصناعية والعسكرية، تطلع محمد علي إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية التي شاخت وترهلت لدرجة صُنفت فيها بـ"رجل أوروبا المريض".  

وتطلع محمد علي إلى استقلال مصر عن الدولة العثمانية، وقاد إبراهيم باشا الجيش إلى الأناضول، محتلًا في الطريق كامل الشام، وخطط بذكاء لتأسيس إمبراطورية عربية تضم ما يقف فوقه من أراضٍ في السودان والحجاز والشام وجزر شرق المتوسط، قاعدتها مصر. وربما يمتد الهدف إلى إزاحة السلطان وتجديد دماء الإمبراطورية بإقامة خلافة بقيم ومفاهيم جديدة، ولم تسمح التحالفات الأوروبية ضد محمد علي بشيء من هذا. 

استعرض المؤلف بسلاسة مدهشة وسيطرة واضحة على موضوعه، مفهوم "توازن القوة" في العلاقات الدولية وتطبيقاته العملية على النظام الأوروبي في القرنين الثامن والتاسع عشر، وموطن الدهشة هنا، هو إمكانية تطبيق نفس المفهوم على ما يجري الآن في الحرب الروسية - الأوكرانية، من أن هناك نمطًا رئيسيًا يتحكم في النظام الأوروبي، يمنع التأثير على أمنه وتوازنه، وهو عدم السماح لدولة من أوروبا بجني مكاسب أكثر من غيرها في أي صراع، وعندئذ تواجه بتحالف ضدها من باقي الدول.

وأشار إلى مقولة للمئوي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (أكمل مائة عام قبل أيام): عندما تضطر مجموعة من الدول للتعامل مع بعضها البعض فهناك إحدى نتيجتين: إما أن تقوم دولة بالسيطرة على باقي الدول، أو أن أيًا من الدول لن تملك القدرة على تحقيق ذلك، وفي هذه الحالة فإن أهداف الدولة المهيمنة يتم تحجيمها بتحالف من الدول الأخرى، بمعنى آخر، بآلية توازن القوة".

وهو ما حدث مع مصر عندما قررت الدول الأوروبية الكبرى، باستثناء فرنسا، في اتفاقية لندن عام 1840 وقف توسع مصر شرقًا وضمان الإبقاء على الدولة العثمانية التي باتت هيكلًا عظميًا، لأنها في خريطة توازن وتوزيعات القوة، تحجب الخطر الروسي المقلق للنظام الأمني الأوروبي. 

وكان الجيش بقيادة إبراهيم باشا قد ضم الشام، وتوغل في الأناضول صيف عام 1832، وطالبت مصر بالاستقلال، ثم هزم القوات العثمانية في "معركة قونيه" في ديسمبر 1832، وبات أمام إبراهيم باشا خمسين فرسخًا للوصول إلى الأستانة، وأرسل القائد لأبيه يطلب منه الإذن بالزحف إلى اسطنبول، لكنه منعه من التوغل، ومضت أعوام حتى مايو 1938 عندما جمع محمد علي القنصلين الفرنسي والبريطاني في مصر، وأبلغهما عزمه إعلان الاستقلال. 

رفضت الدول الأوروبية الإعلان ورأى وزير خارجية بريطانيا بالمرستون أن الاستقلال يتيح الاستغلال الروسي للموقف، بزعم مساندة السلطان.. وقرر بالمرستون العمل على الفور: طمأن الأستانة، وأرسل إلى سفرائه يهدد باستخدام القوة ضد محمد علي، وعمل على غزل خيوط التحالف، ولما قرر السلطان التصعيد بإعلان الحرب على القوات المصرية في الشام في أبريل عام 1839، انتهت "معركة نصيبين" بانتصار كاسح للجيش المصري، ووصول الأسطول العثماني إلى الإسكندرية مستسلمًا.

وجهت بريطانيا الدعوة لاجتماع في لندن في أبريل 1840 لصياغة "معاهدة" شارك فيها العثمانيون وروسيا والنمسا وبروسيا (ألمانيا فيما بعد) وامتناع فرنسا المتعاطفة مع محمد علي.. ووقع الحلفاء "معاهدة لندن" في 15 يوليو 1840، والتي تنص على إرغام محمد علي بقبول عرض السلطان بولايته على مصر وأولاده من بعده، والانسحاب من الشام، وإذا ما رفض فإن الحلفاء سيفعلون كل شيء لتنفيذ ذلك، وهو ما حدث، أي استخدام القوة ضد مصر.. ووقعت المعركة، وكانت النتيجة للأسف هزيمة الجيش المصري، وعودته من الشام.. ووضع التحالف شروطه أمام محمد علي الذي قبل بها، وفي النهاية صدر الفرمان العثماني في 13 فبراير 1841 بتعيين محمد علي واليا على مصر، وأن يكون الحكم وراثيًا لأسرته من بعده. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة