Close ad
26-6-2023 | 13:08

نتأثر كثيرًا حين نعلم ماهية قسوة العالم الذي يضم ملايين من البشر تحت خط الفقر، وتزداد حنقتنا من هؤلاء المرضى الفقراء الذين لا يملكون ثمن الدواء، وتصيبنا دهشة دماغية حادة من بعض المشاهير الذين يتبارون لاستعراض ثرواتهم، والحقيقة أن الفقر والغنى مترادفات متداولة بالتوازي فهذا يركب طائرته الخاصة لقضاء عطلته على جزر المالديف، وآخر يتقدم بطلب لتخفيض تذكرة المترو الذي يستخدمه يوميًا سعيًا وراء الرزق في رحلته الحياتية المؤقتة.

ولكن ما أصاب العالم بصدمة خارقة للمنطق حادثة الغواصة "تيتان" التي حملت خمسة أفراد من أثرياء العالم مقابل ربع مليون دولار لكل فرد، ليس سعيًا من أجل الرزق ولا بحثًا في ثنايا العلم؛ ولكن إشباعًا لفضولهم القاتل، الناجم عن أمراض الثراء، فلا يوجد سبب مقبول يدفع شخصًا عاقلًا للذهاب إلى الموت في مغامرة غير محسوبة بأعلى سعر، لا لشيء إلا لمشاهدة حطام سفينة "تايتنك" الشهيرة التي غرقت في أعماق المحيط منذ قرن من الزمان تقريبا.

وربما كانوا في رحلة بحث عن السعادة وهي حالة شهيرة تدفع بالأثرياء إلى طرق مبهمة الهوية والملامح؛ فالبعض يلجأ إلى الإدمان والبعض الآخر إلى الانتحار المباشر أو غير المباشر كخوض مغامرات غير مقننة، وهو ما أخبرنا به الكاتب مارك فورني في كتابه "نابليون وجهًا لوجه مع الموت" الصادر مؤخرًا عن المؤرخ آلان فريرجان قائلًا: قد عبر نابليون عن رغبته في الانتحار في مذكرات كتبها قبل أن يتجاوز سنه الـ16 عامًا عندما كان في إحدى الثكنات العسكرية في فالانس، وقد كتب في تلك المذكرات "الحياة عبء عليّ لأنني لا أشعر بأي متعة، وكل شيء يؤلمني، ما هذا الغضب الذي يقودني إلى تدمير نفسي؟ بما أنني يجب أن أموت، ألا يستحق الأمر أن أنتحر؟.. وقد حاول الإمبراطور العالمي نابليون بونابرت الاقتراب من الموت لأكثر من 30 مرة!

ووصف سيجموند فرويد هذه الجدلية الأزلية قائلًا: السعادة تحقيق كامل مرجأ لرغبة من رغبات ما قبل التاريخ، وهذا هو السبب في أن الثراء لا يجلب من السعادة إلا أقل القليل، فالمال ليس رغبة من رغائب الطفولة الباكرة.

وتزج بنا هذه الحادثة المهولة التى جذبت أنظار العالم إلى الغوص في بعض الفلسفات على سبيل المثال لا الحصر، الاهتمام العالمي وفي مقدمتهم وسائل الإعلام؛ سواء التقليدية أو الحديثة بشأن حياة خمس أفراد، بينما لم نلمس هذا الاهتمام في حادثة الهجرة غير الشرعية التي أودت بحياة 750 شخص على حدود البحر الإقليمي المواجه لسواحل كلاماتا اليونانية.

ورغم مأساوية الفاجعة ومعلومية الأضرار والمخاطرات الناجمة عن الهجرات غير الشرعية إلا أن أسبابها منطقية يمكنها تجاوز بهو العقل بأريحية لأن مثل هؤلاء في حقيقة الأمر ركبوا سفينة المغامرة سعيًا وراء الحياة وتحسين الدخل والبحث عن الرزق، على عكس ركاب الغواصة "تيتان" الذين تركوا الحياة سعيًا خلف الموت!
فهل خضع الموت أيضا إلى تصنيفات اقتصادية ومادية فمن قدر له الموت على مركب يختلف عن ركاب الغواصات؟ أم أن وفاة الأثرياء له تأثير لا يضاهي وفاة الفقراء؟ وربما اعتاد هذا العالم الرأسمالي الجاف المتحجر على وفاة الملايين من الفقراء؛ إما بسبب الحروب أو الأمراض والأوبئة أو المجاعات وما شابه.

فضلا عن التأكيد على أنه فوق كل ذي علم عليم، فمهما وصل العلم إلى أعلى الدرجات يظل عالم أعلى من آخر إلى أن يصل منتهى العلم إلى الخالق عز وجل، وأن هذا الكون الفسيح وهذا التقدم التكنولوجي الشاسع لا يمثل مثقال ذرة من أسرار العلوم والحياة والتركيبة الكونية، وأتذكر في رحلتي الأخيرة لأمريكا بعد إصابة أخي بغيبوبة على إثر حادث أليم، كنت أسأل الأطباء يوميًا: هل يشعر بنا؟ هل يسمعنا؟ إلى أن أجابتني طبيبة أمريكية قائلة: لم نتوصل إلى الآن إلا لـ 15% من حدود العلم الخاصة بالمخ أو العقل الإنساني، برغم كل هذه الأبحاث والمساعي العلمية ولا أحد يمكنه أن يحدد ما الذي يحدث مع أصحاب الغيبوبة! وبينما وصف الطبيب المعالج الذي يعد ضمن أشهر 3 جراحي المخ والأعصاب على مستوى العالم، أن حالته لن تعود إلى طبيعتها، حتى وإن فاق من الغيبوبة وهو احتمال ضعيف في حد ذاته إلا أنني كنت على ثقة بمعجزات الله سبحانه وتعالى، وأنه العليم مهما وصل علمهم، وقد كان.. فقد فاق مبكرًا على عكس توقعاتهم ويمارس حياته وكأن شيئًا لم يكن.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: