Close ad

لحظات الأمم العظيمة

26-6-2023 | 16:19
الأهرام العربي نقلاً عن

جوهر الأمم العظيمة يتجلى حين تفرض عليها المعارك: تستدعى ذواكرها، تتحصن بقوتها الذاتية.

والمعارك فرضت فرضًا على أمة الأمم، جاءوها من الأطراف إلى المركز، ومن الهامش إلى المتن.

شاءوا أن تكون الأجواء مشحونة بالصخب والعنف.

جاءوا بالسيرك إلى الشوارع، قلت لنفسى: «جعجعة بلا طحين». وإن غدًا لناظره قريب.

غادرت مبنى ماسبيرو للمرة الأخيرة بعد ثمانية عشر يومًا، كان يومًا غريبًا من أيام فبراير عام 2011.
جاء الاختبار، وعلينا الاختيار.. إما النصر أو النصر.

الاختبار قاسٍ ومعقد، يعبث بالقلوب والعقول، لم ينج من فخاخه إلا من امتلك إرادة نيلية خالصة، أو من عرف أسرار شجرة الجميز المقدسة.

أما الاختيار فقد كان مكتوبًا على جباه الصامتين، أولياء الأمة، وعادة لا نراهم فى الحكايات الكبيرة، وغالبًا لا يحتفظون بصور عائلية فى مناسبات مرموقة، لكننا نراهم فى مقدمة الصفوف، لحظة الدفاع عن الحقيقة، كأنهم جميعًا توحدوا فى شخصية ابن نوح الشعرية فى قصيدة أمل دنقل العبقرية “ مقابلة خاصة مع ابن نوح”.

فى الطريق إلى 30 يونيو 2013.. كانوا هناك.

قبل ذلك كانوا شهود عدل على ما جرى من تعريض تاريخى بفصل الربيع.

فى البدء كانت الحكاية:

تداعت أمامى الأفكار والصور والمواقف، قلت لنفسى: كذب قديمًا إيفلين بارنج الشهير باللورد كرومر، حين وصف المصريين بما ليس فيهم، وبما لا يليق بحضارتهم، ورسم لهم صورة مزيفة، تبريرًا لجرائم الاحتلال البريطانى لمصر أمام الرأى العام العالمى.

حكم كرومر سنوات طويلة باسم الاحتلال 1883-1907، ولم يفهم جوهر المصريين. مات منسيًا دون أن يعترف بجريمتى التزييف والتزوير.

أراد تغيير هوية وثقافة أهل النيل، فعجز عن تحريك حجر صغير، فى النهاية ذهب إلى الدرك الأسفل من التاريخ.

طوال عامين ونصف العام، كان كرومر نموذجًا مثاليًا للفوضى التى كانت تجرى فى تلك اللحظات العصيبة، فكثير من الناس تلبسوا شخصيته، وآمنوا بفلسفته، واستعادوا مواقفه سيئة الصيت.

أتذكر تلك الطريق الوعرة إلى 30 يونيو، وما جرى من أحداث فى الليالى الطويلة:

ابتعدت بضع خطوات عن الحشود المصطنعة، واصلت السير ببطء، انعطفت من شارع ماسبيرو إلى زقاق ضيق بمنطقة بولاق أبو العلا التاريخية. تذكرت بطولة أهلها البواسل فى مواجهة غزو بونابرت. وجدت نفسى قريبًا من مقهى صغير، اخترت مقعدًا بعيدًا. جاء النادل.

عيناه على شاشة التلفزيون يتابع (الأفراح).

طلبت شايًا سكر زيادة.

تأملت مسيرة ذلك الـ «كرومر»، عيناى على شاشة التليفزيون، قرأت خبرًا عاجلا يحتل الشاشة بالكامل:

سبعة من زعماء الدول الغربية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وكندا): كالعادة.. مصر تصنع التاريخ.

هلل الأتباع، ورقص المغيبون.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

قلت لنفسى: انتظروا قليلًا، انتظروا حتى تتجلى مصر الحقيقية فى الميادين.. وتجلَّت.

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة