Close ad
14-6-2023 | 16:51

التحول الرقمي يعد حاليًا من الأساسيات الضرورية التي تجتهد دول كثيرة لتطبيقه وتعميمه في مناح وقطاعات عديدة، من بينها التعليم، الذي يجب أن يتواكب مع آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة، حتى لا تصبح الفجوة شاسعة بين ما يشهده العالم من تحديث وتقدم وقفزات للأمام الوضع على أرض الواقع في كل دولة على حدة، بل إن هذا التحول بات من المقاييس المهمة عند تقييم أوضاع البلاد والعباد في وقتنا الراهن.

إذن لا خلاف على الضرورة الملحة بهذا المقام وحتميته، لكن يبدو أن السويد، المتصدرة مؤشرات الابتكار، والثراء، والرفاهية الاجتماعية، لها رأي مغاير بهذا الصدد، وارتأت أنه سيكون من الأفضل والأوفق لطلابها الرجوع إلى الأساليب التقليدية العتيقة باستخدام الكتب الورقية بدلا من الشاشات الإلكترونية، التي اكتشفت أنها كانت سببًا رئيسًا خلف تراجع مهارات القراءة والكتابة لديهم، مما يشكل خطرًا داهمًا على حاضر ومستقبل البلد الذي يبلغ تعداد سكانه أكثر من عشرة ملايين نسمة.

في هذه الحالة لا مناص أمامنا سوى التسليم بوجاهة الحجة السويدية، لا سيما وأنها تمس عصبًا حساسًا للمجتمعات الحية الواعية، وهو القدرة على القراءة والكتابة، وتضرب أيضًا ركنًا أصيلًا وجوهريًا في المنظومة التعليمية التي تقوم على الكيف وليس الكم، وأن غرض التعليم ليس تزيين جدران المنازل بشهادات التخرج دون اعتبار لمستوى وكفاءة الخريجين في تخصصاتهم، وإلمامهم بأبسط قواعد القراءة والكتابة كأضعف الإيمان، وأن يكونوا إضافة حقيقية ومفيدة للمجتمع وبناء مستقبله على أساس سليم ومتين يصمد في وجه العواصف والأنواء التي تعترضه.

وكالعادة هلل أنصار التوجه الورقي للنبأ السار القادم من السويد، واعتبروه دليلًا جديدًا دامغًا على صحة وجهة نظرهم بأن المطبوعات الورقية لن تموت، ولا يمكن الاستغناء عنها، مهما حاول مؤيدو التحول الرقمي، وأقاموا الأفراح والليالي الملاح ابتهاجًا واحتفاء به، مع أن الأصل والثابت تاريخيًا أن الوسيلة الجديدة لا تمحو القديمة ولا تقتلها، وأن القديمة قد تتراجع مكانتها وأهميتها، لكنها لا تغيب عن المشهد، وأن الأوفق والأجدى التوصل لصيغة تعايش وتوافق بين الجديد والقديم بما يعود بالفائدة على الجميع.

انطلاقًا من الاستنتاج الأخير فإن تراجع مهارات القراءة والكتابة سواء في السويد، أو غيرها من البلدان المتقدمة والنامية لا يعزى فقط لاستخدام الشاشات الإلكترونية كوسيلة تعليمية، وإنما لأسباب أخرى، منها أن الأجيال الشابة، وهم الشريحة الأكبر  بين سكان عالمنا، يعزفون عمومًا عن القراءة، ويحبذون عليها مقاطع الفيديو القصيرة، والأخبار السريعة الواردة عبر شاشات تليفوناتهم المحمولة وما بحوزتهم من أجهزة لوحية.

بناء عليه، فإن هذه الأجيال تكتسب مهارة الاستقبال والاستماع، وتفقد جانبًا معتبرًا من قدرتها على القراءة والكتابة، لأنها تعتمد على جمل الرسائل القصيرة كوسيلة للتخاطب مع أقرانهم، حتى في أحاديثهم ولقاءاتهم المباشرة، وهذه السلبية من بين بعض مضار التكنولوجيا التي لا يجوز لنا إغفال محاسنها المتعددة، وتأثيرها على حياتنا اليومية، وتسييرها أمورًا لا تعد ولا تحصى كانت تستغرق منا وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، وتسهم في بناء شخصية الطفل ونموه العقلي.

كما أن نتائج دراسات علمية كثيرة أوضحت أن هناك تفاوتًا في تركيز الأجيال الحالية مقارنة بجيل الآباء والأجداد لعوامل يطول شرحها، وهذا ليس موضع بيانها وتفصيلها، وعلاج هذا الخلل يتم بإعداد برامج جادة وعملية تساعد في تقليل الفجوات القائمة بين التكنولوجيا ومهارة القراءة التي تتجه للتهميش، وإقناع الشباب بوسائل جاذبة للاستفاضة والتعمق في القراءة وأن تصبح جزءًا من روتينه اليومي بصرف النظر عن أن قراءاته ستكون ورقية، أو أونلاين، وتلك مهمة عسيرة ويجب أن يتصدى لها خبراء نابهون وماهرون في فك شفرة شباب اليوم، والولوج إليهم من المدخل الصحيح وليس الخطأ الذى يزيد من حدة المشكلة، خصوصًا وأنهم نشأوا في ظل الطفرة والثورة التكنولوجية غير المحدودة.

كما أنه لابد من الوضع في الاعتبار أن الأسرة تتحمل نصيبها من مسئولية قلة مهارات القراءة والكتابة عند الصغار، بسبب عدم متابعتها بدقة المستوى التعليمي لأبنائهم وبناتهم، خاصة فيما يتعلق بالقراءة وإجادتها مثلما يقول الكتاب، وأن يكون معلومًا أن العودة للكتب الورقية بالمدارس مكلفة اقتصاديًا، وكلنا يتابع ما تشهده الدول في أرجاء المعمورة من أزمات اقتصادية ومالية خانقة، جراء الأوبئة والحروب.

والأهم إعلان هدنة بين معسكري الورقي والرقمي اللذين يخوضان معركة صفرية وعبثية لا جدوى منها لإثبات صحة ما يذهبان إليه من آراء وتقييمات، وأنه لا مجال ولا متسع للردة عما بلغه العالم من تطور تكنولوجى، وأن العقلاء مَن يتحدثون عن الدمج بين التعليم الإلكتروني والتقليدي وليس مَن سيهزم الآخر أولًا.

كلمات البحث