Close ad

طوف وشوف (4)... النرويج

14-6-2023 | 12:20

كتبت في مقال سابق تحت عنوان "احترام الفرصة" قصة سفري إلى النرويج، باختصار وجدت على الإنترنت إعلانًا من جامعة بيرجن في النرويج تطلب تعيين مجموعة من الباحثين من دول حوض النيل بدرجة كبير باحثين، والحق أقول إن شروط التقديم كانت كثيرة وصعبة، كان مطلوبًا مني اقتراح مشروع بحثي أنفذه أثناء عملي هناك بتفاصيل كثيرة ودقيقة جعلتني أنصرف عن الإعلان. 

لكن في أحد الأيام وأنا أتصفح الإنترنت وجدت نفس الإعلان يظهر أمامي فجأة، وعادتي في تلك الأحوال ألا يمر الأمر معي مرور الكرام، تعودت أن أتساءل لماذا ظهر الآن؟ تصفحت الإعلان ووجدت أن آخر موعد للتقديم بعد ست ساعات فقط، وقررت أن أجتهد في كتابة فكرة جيدة لعلها إذا أعجبتهم أمكنني تعديل الأمور الأخرى أثناء العمل، وتقدمت للوظيفة، وتم اختياري بالفعل.

أتذكر لحظة تلقيت رسالة قبولي للعمل في جامعة بيرجن أنني صرخت بصوت عالٍ، وجاءت زوجتي تجري مفزوعة وأنا أنظر إليها لا أستطيع الكلام، فالله سبحانه وتعالى وحده يعلم حساسية الوقت الذي جاءت فيه تلك الرسالة تحمل لي ولزوجتي البشرى بأن وقت تعويض سنوات الصبر الطويلة قد حان، ستة عشر عامًا منذ التخرج، ثمانية سنوات منذ الزواج وثلاثة منذ حصولي على درجة الدكتوراه وانتظاري لثمارها دون جدوى، حتى جاءت فرصة العمل في النرويج.

لا أنكر خوفي بل رعبي منذ خطوت داخل الطائرة، ماذا سوف أفعل هناك، أخبروني أن تلك الدولة تعتبر من أغنى دول العالم، وأن البحث العلمي فيها على أعلى مستوى، هل سوف أنجح في العمل والاندماج معهم؟ لا أدري وقررت أن أترك الأمر بيد الله يدبره كيفما شاء.

إذا أردت أن أحكي عن النرويج فماذا أقول؟ كل لحظة قضيتها هناك كانت تحمل متعة خاصة، الهدوء الشديد بسبب الثلوج والأمطار الغزيرة كان غريبًا في البداية، بل أقول إنه قد أصابني بحالة من الاكتئاب وقلة النوم، لكن بمرور الوقت اعتدت ذلك وأحببته، اعتدت أن أسير وحيدًا في الشارع أرقب النظافة والنظام، أتذكر يومًا وأنا أقف أمام إشارة المرور وبجواري زميل نرويجي، نظرت يمينًا ويسارًا فلم أجد أحدًا غيرنا في الشارع ولا سيارات تمر هنا ولا هناك، سألته لماذا لا نعبر الطريق؟ لا ضرر على الإطلاق! ابتسم وقال: إذا اعتدنا مخالفة القانون في الأمور الصغيرة سوف نعتد المخالفة بعد ذلك في الأمور الكبيرة.. اصبر وانتظر الضوء الأخضر يا صديقى.. وانتظرت وتعلمت.

رغم خوفي ورعبي من العمل إلا أنني عرفت وفهمت لماذا يتفوق المصريون في الخارج، لقد تعودنا في بلادنا على العمل الصعب "فحت وردم" كما يقولون، فإذا توافرت السبل والإمكانات والتشجيع الدائم والنقد البناء جاء التفوق.. أتذكر التعليقات التي جاءت عند نشر أول كتاب صدر في بريطانيا لمجموعة العمل، وكان لي فصل كامل فيه، أتذكر مدى انبهاري ودهشتي عندما وجدت معظم التعليقات تعكس الإعجاب بما كتبت.

من المواقف الطريفة التي أتذكرها تعرضي للسرقة في السوبر ماركت، حينها دار بذهني فكرة أن أخوض تجربة عمل محضر في قسم الشرطة.. طالبت مسئولي السوبر ماركت بتشغيل الكاميرات، ورأينا السارق وتم إبلاغ البوليس.. أعطوني شريط الفيديو وطلبوا مني الذهاب إلى القسم لعمل محضر بالواقعة.. طبعًا لن يتصور أحد أنني عندما ذهبت إلى الشارع الذي يوجد به القسم ظللت نحو نصف ساعة واقفًا "وحدي" في الشارع لا أجد شخصًا واحدًا يمر بجواري ويخبرني بمكان القسم، إلى أن ظهر أحدهم – أخيرًا - وأخبرنى مبتسمًا أن القصر الذي أقف أمامه منذ نصف ساعة هو قسم البوليس.. حسنًا لكن كيف أدخل؟ لا يوجد حراس على الباب كما تعودنا أن نرى في أقسام البوليس، أساسًا لا توجد أية علامة توحي أن هذا المكان قسم بوليس.

ظللت واقفًا أمام الباب على أمل أن تكون هناك كاميرات، ومرت بضع دقائق وأنا أنظر حولى وقد بدأ القلق يتسرب إلى داخلي، هل أخطأ الرجل الذي أخبرني أن هذا هو القسم؟ المكان يبدو مثل القصور القديمة التي نراها في الأفلام وبداخلها يسكن مصاصو الدماء، ناهيك عن هذا الشارع الخالي من الناس! يا إلهي ماذا فعلت بنفسي؟ وقبل أن تلتهمني تلك الأفكار رأيت شخصًا يأتى من الداخل ويرحب بى قائلًا بلهفة لابد أنك القادم من السوبر ماركت؟ لا أدري لماذا أشعرتني لهجته للحظة أنه سعيد بوجودي، وكأنه قد عثر على كنز يبحث عنه منذ زمن طويل.. أثناء دخولي إلى مكتبه لاحظت أن القصر - أقصد القسم – خاليًا تمامًا كبيت الأشباح! أين أفراد الشرطة؟ أين المتهمون؟! المهم.. جلست وأخبرته بما حدث، وهو يسجل على الكمبيوتر، وفجأة سألني عن عنواني قلت لا أعرف غير اسم المقاطعة، ذهب وغاب ثم رجع ومعه العنوان، لابد من إدخال البيانات كاملة على الكمبيوتر، وإلا فلن نحصل على المحضر.. وهكذا كان الأمر في جميع البيانات إلى أن انتهينا، ثم جاءت اللحظة الحاسمة، اعتدل الرجل على كرسيه ثم نظر بتمعن وبادرني بالسؤال: ما قيمة المسروقات؟ الحق أقول إنني قد بالغت في ثمنها حتى يهتم بالأمر، لكن المبالغة لم تكن كافية فالقيمة التي بالغت فيها تعتبر ضئيلة جدًا بالنسبة لهم.. نسيت أنني في أغنى بلد في العالم.. سألني ماذا تريد أن نفعل مع السارق عندما نقبض عليه؟ هل نسجنه؟ وحيث إنني لابد وأن أظهر أمامه رجلًا متحضرًا يحترم الحقوق، قلت له نعم بالتأكيد law is law. 

لكنه فاجأني بقوله: ألا ترى أن قيمة المسروقات لا تستحق أن نسجنه وربما تكون لديه أسرة وأطفال؟ قلت لنفسى حسنًا حان وقت ارتداء ثوب الرجل الطيب المسامح، فقلت له حسنًا يكفى أن يحضر المسروقات ولا داعي لسجنه، امتعض وجه الرجل من كلماتي وقال: لا داعي لسجنه! ألا تعتقد أنك بذلك تشجعه على ارتكاب الجريمة مرة أخرى طالما أنه قد نجا بسهولة من العقاب هذه المرة؟ في تلك اللحظة لم أتمالك نفسي وقلت له: هل أنت متأكد أن هذا قسم بوليس؟! هل تقبضون بالفعل على مجرمين؟! ماذا تريد مني بالضبط؟! قلت لك عاقبه فلم يعجبك، قلت لك سامحه فغضبت!! هل هذا قسم شرطة أم مركز بحوث جنائية؟

قال لي إهدأ يا أخي، لا تقلق إليك الحل!! إذا قبضنا على السارق سوف نعيد إليك المسروقات، وساعتها فلتقرر ما سوف تفعله، وإذا فشلنا فعليك الاستعانه بمحام، أو ربما أحد طلاب كلية الحقوق؛ حيث أن الأمر بسيط، سوف ترفع قضية أمام المحكمة وتطلب التعويض، ولن يكلفك الأمر سوى ثلاثة آلاف كرونه .

وانصرفت وأنا لا أصدق ما رأيت في قصر الأشباح، وبالطبع لم أتبع نصيحته حيث إن قيمة المسروقات كانت ثلاثمائة كرونة فقط 

..وللحديث بقية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة