Close ad

التعليم بين التمييز والتنمية (1)

8-6-2023 | 16:32
الأهرام المسائي نقلاً عن

كنت أشاهد أحد الأفلام العربية الذي حقق شهرة كبيرة، وتدور أحداثه حول طفل في المرحلة الابتدائية، ينتمي إلى أسرة بسيطة، تسكن أحد الأحياء الشعبية بإحدى المدن البعيدة عن العاصمة، ليتفاجأ أبويه بخطاب من وزارة التربية والتعليم باختيار أبنهما كأحد الأطفال النوابغ المشاركين في كبرى المسابقات على مستوى الجمهورية، ومن هنا وعلى الرغم من أن كافة الشواهد المجتمعية لا تعكس أي مظهر من مظاهر النبوغ على الطفل، إلا أن أبويه قد صدقا الخطاب الوارد لهما، فهو خطاب معتمد من جهة رسمية، لتعكس أحداث الفيلم كم التضحيات والمعاناة والإصرار المبذول من جانب الأسرة بهدف وصول ابنهما إلى مقر المسابقة، وحتى لا يكونا عثرة أمام نبوغه الذي أكده الخطاب الوارد لهما، لينجحا في تخطي كافة الصعاب، والوصول لمقر المسابقة وهنا تكون الصدمة الكبرى وهي أن الخطاب قد ورد لهم بالخطأ، وأن ابنهما ليس ضمن القائمة المختارة لاجتياز المسابقة وهذا نوع آخر من المشاكل الإدارية، وبعد ضغط من الأب والأم على اللجنة المنظمة، تقبل اللجنة بصورة استثنائية انضمام الطفل إلى المسابقة غير المتكافئة بين الأطفال المشاركين، فالأطفال المشاركون يتمتعون بحصيلة علمية ومستوى اجتماعي على النقيض التام من بطل الفيلم الصغير، ليظهر جلياً أمام المشاهد عدم التكافؤ بينه وبين الأطفال المشاركين سواء على المستوى التعليمي أو المستوى الأسري الاجتماعي والمنعكس على سلوك الطفل مقارنةً بأقرانه، وعلى الرغم من وضوح ذلك إلا أن الطفل كان لديه من العزيمة، لتجعله يفوز ويتفوق على أقرانه من الأطفال في المسابقة الفنية التي تظهر موهبته الطبيعية التي حاباه الله بها وقيدتها الظروف.

فعلى الرغم من أن الفيلم طابعه كوميدي إلا إنه أبكاني وبشدة، وجاء سر بكائي إلى احساسي بوجود فجوة علمية واجتماعية كبيرة بين الطفل وأقرانه، وعدم الإدراكٍ سواء هو أو أسرته لتلك الهوة، كما أبكاني إصرار والديه على مشاركة ابنهما على الرغم من عدم امتلاكهم لآية مقومات علمية أو اجتماعية تؤهل ابنهم لخوض تلك المسابقة، ليغلب أملهم الواقع الأليم في وصول ابنهم لمصاف الأطفال المتميزين، وتصديقهم أن ابنهما من النوابغ المختارين على الرغم من عدم توفر المقومات المدعمة، كما بكيت حزناً على  الخامة الجيدة لذكاء الطفل، وموهبته الفطرية في الغناء والذكاء الاجتماعي، والتي كان يمكن أن يتم ثقلها ليأخذ فرصته الحقيقية في التفوق المستحق على المشاركين.

ليعكس الفيلم بفكرته البسيطة، مبادئ عظيمة، إن تحققت فستكون السبيل إلى مكافحة التمييز، ليظهر الفيلم أهمية تحقق تكافؤ الفرص على عدة مستويات، أولهاالتكافؤ التعليمي بمعنى وجود حد أدنى تعليمي ملائم يسمح بالتكافؤ بين الأطفال إذا ما وضعوا محل المنافسة، لتكون المنافسة فيما بينهم عادلة، كما عكس الفيلم أهمية التكافؤ الاجتماعي بحيث لا تتسع الهوة بين الطبقات الاجتماعية بصورة مبالغ فيها قد تؤدي إلى التشوه المجتمعي، وبتوافر الحد الأدنى من التكافؤفحتماً سينعكس الأمر على كافة سبل التنمية لتنجح ثمار التنمية في الوصول إلى مختلف الأفراد بعدالة ووفقاً للمجهود الذي سيبذلونه للاستزادة بعد توفر الحد الأدنى من التكافؤ والعدالة.

فالتنمية هي عملية تراكمية، وهي عنصر أساسي للاستقرار والتطور الإنساني والاجتماعي، وقد تكون التنمية شاملة لكافة القطاعات أو جزئية بالتركيز على قطاع محدد، إلا إنها في كل الأحوال مستمرة وتتخذ أشكالاً مختلفة تهدف إلى الرقي بالوضع الإنساني والوصول إلى الرفاه والاستقرار والتطور، وبما يتوافق مع احتياجات الإنسان وإمكانياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وفي إطار ذلك تعتبر التنمية وسيلة الإنسان للارتقاء بصورة عامة وغايته التي يستهدف الوصول إليها. إلا أن تحقيق تلك التنمية وبخاصة التنمية الشاملة، فسيستلزم الامر مشاركة كافة أطراف المجتمع دون إغفال سواء رجل أو امرأة، والتأكد من تكافؤ الفرص أمام الجميع ووصولها بعدالة، وهو الامر الذي يضمن تحقق التنمية الشاملة.

لذا يأتي مقالي ليناقش ضرورة حدوث التغييرات المؤسسية المساندة لفكر التكافؤ وعدم التمييز، وضرورةالمشاركات الدولية المساندة للتحقق الفعلي لتكافؤ الفرص في المشروعات التعليمية والتدريبية، كما سأركز على عرض الدور التنموي للمؤسسات الداعمة لقضايا المرأة في إطار استهداف تحقق تكافؤ الفرص ومكافحة التمييز، وهو ما سأتناوله بالتحليل في سلسلة المقالات القادمة بإذن الله تعالى.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: