Close ad
6-6-2023 | 15:32

نظريًا، يفترض أن الولايات المتحدة ومعها حلف شمال الأطلنطي "الناتو" قد استوعبا وتعلما درسًا قاسيًا من جملة ما اشتركا في ارتكابه من أخطاء سياسية وعسكرية وإستراتيجية متهورة اتسمت بالرعونة الشديدة، وقادت إلى نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، ودخول العالم في دوامة عنيفة من التبعات غير المحمودة التي سيمتد تأثيرها السلبي والحاد لسنوات عديدة.

لكن عند إمعان النظر نكتشف أن الطرفين وبنجاح ساحق ماحق يصران على تكرار الأخطاء ذاتها وبالوتيرة نفسها في القارة الآسيوية، بسبب معاناتهما بحدة من أعراض ومنغصات "العقدة الصينية"، وذلك عبر استعداد "الناتو" لفتح مكتب اتصال في العاصمة اليابانية طوكيو العام القادم، وهو ما سيؤدي إلى تأجيج الصراع الجيوسياسي على النفوذ في المحيطين الهندي والهادئ ليصبح على أشده، واستفزاز بكين التي تعتبر هذه المنطقة فناءها الخلفي ولن تسمح بمشاكستها ومنازعتها فيها بأي صورة من الصور.

بهذه الخطوة فإن الناتو يوسع نطاق علاقاته ومستويات تنسيقه العملي مع الشركاء في آسيا والمحيط الهادئ ضمن أجندته ٢٠٣٠، إذ يرى الحلف أن الصين تشكل واحدة من أولوياته العاجلة والملحة، وأن الطموحات الصينية وما يصفه بسياساتها القسرية تضر وتهدد مصالح الناتو وأمنه وقيمه، أما غير المعلن فيتحدد في سعيه الحثيث لتشكيل "الناتو الآسيوي" بغية محاصرة وتطويق الصين بمناطق نفوذها وسيطرتها، وكذلك روسيا الواقفة حاليًا بخندق واحد مع التنين الصيني.

ذاك هو المبتغى والغرض الأساسي خلف اتجاه الناتو شرقًا مع علمه وتأكده من أن الصين لن تصمت على محاولاته الدؤوبة والمكثفة لحك أنفه في عقر داره، وأن مغامرته الآسيوية قد تشعل حربًا ضروسًا بالقارة سوف يخسر فيها الجميع، وأن مسايرة الحلف للسياسات والتوجهات الأمريكية المناهضة لبكين على غير هدى يعد أمرًا مشينًا من وجهة النظر الصينية.

إذن وبادئ ذي بدء، فإن أعضاء الناتو الـ٣١ اختاروا أن يكونوا طرفًا مشاركًا وفاعلاً في النزاع الأمريكي الصيني على مَن تكون له الكلمة العليا والفصل في الشأن الدولي، ويقتفي أثره الآخرون برضا تام، وأن يعمل الحلف "كشرطي عالمي" يتولى إحكام الضبط والربط هنا وهناك، لا سيما وأنه يغادر موضع نشاطه المنطقي والمبرر في شمال الأطلنطي، حيث يقتصر وجوده الذي قرر مده نحو القارة الآسوية بحجة أن الخطر الصيني يهدد سلاسل إمداداته، واتصالاته، ويتجاهل أن خروجه من مجال أنشطته سيكون عاملاً في زيادة عدم الاستقرار وتأجيج الصراعات.

ويعلم ساسة الناتو وصناع قراره أن مد مخالبهم في آسيا ليس له مبررات وأسانيد قوية ومقنعة تعضده، فالحلف يحتفظ فعليًا بعلاقات وثيقة منذ فترة مع اليابان وكوريا الجنوبية أساسًا، بسبب التهديدات النووية لكوريا الشمالية، ولا يحتاج لمكتب اتصال لمتابعتها.

أيضًا فإنهم يعلمون أن أمريكا لها وجودها العسكري القوي في شمال شرق آسيا من خلال قواعدها واتفاقاتها العسكرية مع طوكيو وسول، وهذا الشق يرد على المبرر الذي ساقته الحكومة اليابانية لاستضافة مكتب اتصال الناتو والمتمثل في أنها أعادت النظر في أمنها بعد الحرب الروسية الأوكرانية، التي جعلت العالم أكثر اضطرابًا.

وما لم تعلنه أو تشر إليه اليابان أن تحركاتها تلك مرتبطة بطموحاتها لتوسيع نفوذها في المحيطين الهادئ والهندي، وتسعى لتعزيز وجودها في جنوب آسيا، وجنوب شرقها، وشرق بحر الصين وجنوبها، وكذا تعزيز قدراتها العسكرية لتصبح لاعبًا رئيسًا في المنطقة، ولجعل موازين القوى تميل ناحية مصالحها الآنية والمستقبلية.

بالإضافة إلى أنه لا يمكن استبعاد مخاطر الصراع المتصاعد في ألعاب القوى العظمى ونزاعات الحقوق البحرية التي تميز المشهد الجيوسياسي، وأنه إذا سارت آسيا على خطى نموذج الأمن الأوروبي، فإن هذا سيعني الاعتماد على إقامة تحالفات هدفها المحافظة على التوازن والأمن، مما يجعل القارة عرضة للخلاف والصراع المحتمل.

ومعلوم أن الوقائع التاريخية أثبتت أن ميزان القوى في أوروبا قد اختل في نهاية المطاف بسبب الخلافات بين دول الناتو، والتي أدت لاندلاع الحرب، وأن سوء حساباتهم وتقديراتهم أطلقت شرارة الحرب الروسية الأوكرانية، وزجت بهم لمستنقع لا يعرفون كيفية الخروج منه، حتى الآن، وكبدتهم خسائر اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية أكثر من أن تحصى حتى تاريخه.

ومن قراءة ما وقع من أحداث وتطورات، منذ نشوب الحرب بين روسيا وأوكرانيا فإن آمال أمريكا والغرب في سقوط نظام بوتين، وتركيع موسكو لم تتحقق، وبادلتهما روسيا الصفعات والمكائد، وإن ظنا أنهما سوف ينجحان في تنفيذ ذلك مع الصين فعليهما إعادة التفكير، والبعد عن اللعب بالنار التي ستحرقهما قبل غيرهما.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة