Close ad
5-6-2023 | 11:25

لقد أصبح معلوما ومرئيا للجميع كيف أن العالم يشهد في السنوات الأخيرة وربما في العقد الأخير، تغيرات متتابعة على المستوى السياسي الدولي، كان من شأنها أن يستتبعها تغير في بعض المواقف والمفاهيم الراسخة، وزلزلة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إثر هذه المتغيرات التي تفرضها ظروف تطرأ كمواجهة الإرهاب والجوائح والحروب وإعادة النظر في المواءمات والاتجاه إلى عالم متعدد الأقطاب، وإن كان أمرًا باعثا على الدهشة وعدم التصديق لكثير من المتابعين أن يطالعوا مثلًا أخبارًا عن احتمالية التآكل البطيء في قيمة الدولار، فإن خبراء الاقتصاد الدوليين يرون أن هذا التآكل يتحرك بوتيرة متسارعة الآن، في ظل الزيادة الملحوظة في التضخم منذ 2021، خصوصًا مع الزيادات في سعر النفط والتي نجمت عن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية في إنتاجه، وكذلك العقوبات المفروضة على روسيا، جراء الحرب في أوكرانيا، بل إن تقريرًا قريبا لصندوق النقد الدولي يكشف عن أن العملات غير الاحتياطية صارت المستفيد الأول بعد قفز حصتها للحد الأقصى منذ منتصف 2012، بعد أن سجلت حصة الدولار باحتياطيات النقد الأجنبي تراجعًا عند أدنى مستوى منذ 27 عاما.

وفي السنوات الخمس الأخيرة نرى أن نصيب الدولار من التجارة الدولية قد تراجع إلى 59% من 80% وقد يتزايد هذا التراجع في ظل ما يشهده العالم هذه الأيام من تحركات واسعة ومتسارعة نحو التخلي عن الدولار الأمريكي، من واقع تسببه خلال الفترة الماضية في تفاقم معدلات التضخم، فضلا عن التسبب في أزمات متشابكة وكثيرة للدول الناشئة والنامية، الأمر الذي دفع كثيرًا من الدول إلي التفكير في إزاحة التعامل بالدولار إلى الهامش، حتى باتت مؤشرات انهياره كأكبر عملة تطفو على السطح ولو على استحياء، من ذلك الخطوات الجريئة من تكتل "بريكس" الذي يضم الصين والهند وروسيا وجنوب إفريقيا والبرازيل، وتحركه في اتجاه إنشاء عملة موحدة، سوف يتم الإعلان عنها خلال القمة المقرر انعقادها بجنوب إفريقيا أغسطس المقبل، وقد انضمت مصر وعدد من الدول إلى هذه المجموعة، سعيا لتحقيق الاستفادة من مزايا التعامل بالعملات الوطنية، وفي هذا السياق أيضًا نرى الصفقات التي عقدتها السعودية والإمارات لتصدير البترول والغاز بالروبية الهندية واليوان الصيني والريال السعودى والدرهم الإماراتي، وكذلك الاتفاقية بين البرازيل والصين لإجراء التعاملات بالريال البرازيلي واليوان الصيني، كما أن هناك اتجاها في فرنسا ذاتها وبعض دول الاتحاد الأوروبي للابتعاد عن هيمنة الدولار الأمريكي.

ويتوقع محللون أن تكتل البريكس في حال نجاحه فيما يرنو إليه خصوصًا مع استهداف انضمام دول مثل مصر والسعودية وتركيا وإيران، فإن هذا الأمر سيكون نذيرًا بحربٍ عالمية ثالثة ولكن هذه المرة على المستوى الاقتصادي، حيث تجمع تلك الأطراف الفاعلة والمؤثرة دوليا، ما يهدد عرش الدولار واليورو أيضًا ويجعلهما على المحك والمواجهة، وكذا يؤكد توجه تحرك العالم إلى فكرة الأقطاب المتعددة تلك الدعوة التي قد تنادي بها كل من الصين وروسيا، والتي لم تعد مجرد مطلب أو أمنية وإنما واقع تتسع دائرته، مع صعود النمر الآسيوي الذي بات يشكل صداعًا في رأس الولايات المتحدة، ومع وجود أصوات أوروبية رافضة بشكل واضح التبعية للولايات المتحدة، التي أساءت استخدام الدولار، وراحت تطبعه بلا رقابة، في استغلال لتمتعه بوضع احتكاري في التجارة الدولية، وأمام كل ذلك كان لابد أن تتزايد فرص تعدد القطبية عبر واقع اقتصادي موازٍ بإجراءات جادة واتفاقات وتفاهمات وشراكات وبجميع أشكال التعاون الاقتصادي الدولي المترتبة كذلك على مواقف سياسية ليست خافية، في محاولات حثيثة لكسر حالة الهيمنة التي أثرت بالسلب على كثير من مسارات الحياة في عدد كبير من دول العالم بالقارات الخمس، فهل يأتي اليوم الذي يشهد فيه العالم نهاية هيمنة الدولار في ظل كل هذه  التطورات، ليكون الموسم المقبل موسم خريف الدولار؟

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: