Close ad

عندما يتخطي التفكير والطموح قوانين الطبيعة.. السحر ينقلب على الساحر

31-5-2023 | 17:53
عندما يتخطي التفكير والطموح قوانين الطبيعة السحر ينقلب على الساحرصورة أرشيفية
رشا عامر
الأهرام العربي نقلاً عن

على العالم أن يدرك الحد الذى يجب عليه عدم تجاوزه فى العلم والتمييز بين التقدم والتدمير

موضوعات مقترحة

مارى شيلى سبقت عصرها فى رواية فرانكشتاين عندما ألمحت أن تطور التكنولوجيا قد يتسبب فى إلحاق الضرر بالإنسان

 عام 1818 نشرت المراهقة ذات الـ 18 ربيعا مارى شيلى، رواية «فرانكشتاين»، وهو شخصيةٌ من نسج خيال الكاتبة الإنجليزية، بل هو الشخصية المحورية للرواية، التى تدور أحداثها حول فيكتور فرانكشتاين، ذلك الكيميائى الذى اكتشف طريقة لتخليق كائنات حية، وبالفعل بدأ فى تجاربه، وكانت النتيجة «وحشًا»، فما كان من فرانكشتاين إلا أن ترك الوحش وهرب، لكن عندما عاد لم يجده، واكتشف أنَّ الوحش قتل أخاه.

عاد الوحش مرةً أخرى لفرانكشتاين وطلب منه تخليق مخلوق مثله أنثى. رفض فرانكشتاين خوفًا من أن يتكاثر هذان الوحشان، ويهددان البشرية، إلا أن الوحش هدده بقتل أسرته، فاضطر فرانكشتاين إلى تصنيع هذه المخلوقة الجديدة، إلا أنه دمرها قبل الانتهاء منها، ونفذ الوحش وعده وقتل زوجة فرانكشتاين وأخاه الآخر.

عندها شعر فرانكشتاين بالذنب جراء تصنيعه لهذا المخلوق المدمر، الذى كان يهدف منه إلى مساعدة البشرية وليس القضاء عليها، لذلك قرر ملاحقته وقتله فى القطب الشمالي، إلا أنَّ فرانكشتاين مرض ومات من التعب، أما الوحش، فقد قرر الانتحار.

برغم ظهور هذه الرواية فى بداية القرن التاسع عشر، فإن مارى شيلى سبقت عصرها بهذا التنبؤ، عندما أرادت أن تلمح إلى أن تطور التكنولوجيا، قد يتسبب فى إلحاق الضرر بالإنسان، مثلما حدث مع فيكتور فرانكشتاين، عندما تخطى طموحه الطبيعة، وصنّع وحشًا دمر حياته وكاد يدمر البشرية جمعاء، ما يعنى أنه يجب على العالم أن يدرك الحد الذى يجب عليه عدم تجاوزه فى العلم، خصوصا عندما يصبح هناك عدم تمييز بين التقدم والتدمير.

لكن يبدو أن العالم السويدى الفريد نوبل، لم يعى جيدا الدروس المستفادة من رواية فرانكشتاين، ففى ستينيات القرن التاسع عشر أيضا، قرر استخدام النيتروجلسرين وإحلاله محل البارود الأسود، لإنتاج ما يسمى بالديناميت، الذى حصل على براءة اختراعه عام 1867، حيث شكل الديناميت آنذاك ثورة فى الأعمال الصناعية والعسكرية، فقد كان أحد أهم الاختراعات فى زمن الثورة الصناعية، وبدلا من اقتصار استخدامه لتفجير المناجم والصخور كمساعدة للبشرية، تحول بقدرة البشر الدموية إلى قوة تدميرية هائلة، تسببت فى العديد من التفجيرات والكوارث وإراقة دم الأبرياء.

 كل ذلك ولّد بداخل الفريد نوبل شعورا بالذنب، ما دفعه لإنشاء جائزته المعروفة بجائزة نوبل كتكفير عما ارتكبه بغير قصد فى حق البشر. نفس الشيء انطبق على «أوبنهايمر» وهو فيزيائى أمريكى عرف باسم «والد القنبلة النووية» فخلال الحرب العالمية الثانية تمكن مع فريق عمله، من إجراء الحسابات اللازمة لاختراع القنبلة النووية. وقد فجر أول قنبلة نووية فى صحراء آلاموجوردو فى الولاية ذاتها، ثم ألقيت بعد ذلك على مدينتى «هيروشيما وناجازاكي» فى اليابان، ما جعله يصف نفسه بأنه صانع الموت ومدمر العالم.

ومن رحم أهوال الحرب العالمية الثانية أيضا، ولدت البندقية الكلاشينكوف الروسية على يد مصممها ميخائيل كلاشينكوف، الذى أراد أن يدافع بها جيشه عن نفسه بعد رؤيته لحجم الدمار الذى لحق به، لكنه بعدما رأى حجم الدمار الذى تسبب فيه باختراعه هذا أرسل خطابا إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قال فيه إن رشاشه حرم الناس حياتهم بمعنى أنه مذنب بموتهم حتى لو كانوا من الأعداء.

الشعور المشترك بالندم لدى هؤلاء جاء بعد فوات الأوان، حتى عندما تأتى الأحداث فى إطار رواية خيالية، فهؤلاء العلماء لم يتخيلوا للحظة أن ما قدموه من ابتكارات، سيكون وبالا على الأبرياء بسبب طموح قلة قليلة فى السيطرة والثراء، ما حول النعمة إلى نقمة ووضع أصحاب هذه الاختراعات تحت وطأة الندم الشديد.

تدور الأيام ويعيد التاريخ نفسه ولكن بسيناريو مختلف، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعى أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فإنه يمثل أيضًا خطرًا داهما على الرغم من مزاياه العديدة، لنبدأ بتذكير صغير عن ماهية الذكاء الاصطناعي.. الذكاء الاصطناعى هو فرع من فروع علوم الكمبيوتر، يتضمن منح أجهزة الكمبيوتر القدرة على التفكير مثل الإنسان، بتعبير أدق، صُممت الآلة الذكية للقيام بمهام، كان الإنسان فقط هو الوحيد القادر على القيام بها فى السابق بالإضافة إلى ذلك، تسمح فئة فرعية من الذكاء الاصطناعى لأجهزة الكمبيوتر بتعليم نفسها كيفية حل المشكلات، وفى هذا المستوى من الذكاء الاصطناعي، لا يلزم أى تدخل بشرى للآلة لإجراء تنبؤات أو اتخاذ قرارات.. إنها محاولة محاكاة طريقة عمل الدماغ. يتوسع نطاق الذكاء الاصطناعى مع تطور التكنولوجيا حيث يتم استخدامه الآن من قبل الجميع بشكل يومي، فى الشركات، فى مجال الصحة، فى الجيش حيث يتمتع الذكاء الاصطناعى بالعديد من المزايا، مثل القدرة الحسابية والسرعة والدقة.

الآن نتساءل كيف يمكن للذكاء الاصطناعى أن يعرضنا للخطر؟ مع تقدم الذكاء الاصطناعي، يرى البعض أنه يمثل تهديدًا متزايدًا وهذا لا يتعلق فقط برأى الجمهور، بل يتعلق أيضًا برأى الخبراء والعلماء، فوفقًا لهم أن الذكاء الاصطناعى قادر على فعل أكثر بكثير مما يعتقده الناس بعبارة أخرى، يخاطر البشر بفقدان السيطرة فى مواجهة تطوره السريع، فالذكاء الاصطناعى يهدد البشر بخطر الانقراض، إذ تفترض إحدى النظريات أن القدرة على التعلم الذاتى، يمكن أن تجعل الآلات قادرة على إعادة برمجة نفسها.

 وقد يقودنا هذا بعد ذلك إلى سيناريو شبيه بـ Terminator – وهو فيلم خيال علمى للمخرج جيمس كاميرون وبطولة النجم أرنولد شوارزنجر، تدور أحداث الفيلم عن مصير العالم عام 2029، حيث تحكم الآلات الكرة الأرضية عن طريق تصنيع الآلات لنفسها بعدة أشكال، مثل تصنيع الآلات لرجال آليين يريدون القضاء على البشرية، فى الوقت الذى تقوم فيه مقاومة بشرية ضد هذه الآلات.

ينتهى الأمر بـ Skynet، وهو ذكاء اصطناعى مدرك لذاته، ينظر إلى البشر على أنهم تهديد. لكن حتى لو لم نكن فى تلك المرحلة ، فإن الذكاء الاصطناعى كما هو موجود حاليًا بعيد عن الكمال.

هناك نوعان من الذكاء الاصطناعي: الذكاء الاصطناعى الضعيف، والذكاء الاصطناعى العام وهو شكل من أشكال الذكاء الذى يتمتع بنفس القدرات التى يتمتع بها الإنسان على جميع المستويات، بمعنى أنه سيكون قادرا على أداء جميع المهام التى يمكن للإنسان القيام بها، هذه هى الفئة التى يمكن أن تفلت ذات يوم من سيطرة الإنسان، وفقًا لمخاوف معينة.

 لكن فى الواقع، الذكاء الاصطناعى العام ليس خطرًا وشيكًا على الأقل حتى الآن. أما الذكاء الاصطناعى الضعيف، فهو الذى نعرفه اليوم، أى برنامج كمبيوتر يقوم بمهمة معينة، وفى حين أنه ليس فائق الذكاء، إلا أنه يمثل بعض المخاطر الحقيقية إذ يمكن أن يقدم نفسه بطريقتين يمكنه أولاً برمجة الذكاء الاصطناعى لمهمة، يحتمل أن تكون خطرة.

كما يمكنه تصميم مهمة مفيدة، لكن باستخدام أساليب مدمرة. و بينما يمكن للذكاء الاصطناعى تقديم نتائج أكثر دقة وأسرع بتكلفة أقل ، فإنه يعرض بعض الوظائف للخطر فوفقًا لإحدى الدراسات، سيكون قادرًا على أداء 70 ٪ على الأقل من مهام العاملين البشريين.

 هذا يعنى أنه كلما أصبحت حلول الذكاء الاصطناعى أكثر نجاحًا، زاد تهديدها بتقليل عدد الوظائف. من بين القضايا الأخرى المثيرة للجدل، يخضع الذكاء الاصطناعى أيضًا لمناقشات حول التحيزات العرقية، فعلى الرغم من أن الأنظمة الذكية تعلم نفسها كيفية التنبؤ بالنتائج، فإنها تعتمد على البيانات التى يتم جمعها من قبل البشر، الذين لديهم تحيزات عرقية بمعنى أن حلول الذكاء الاصطناعي، برغم أنها لا تتطلب تدخلًا بشريًا فإنها انعكاس للبيانات التى أدخلها البشر.. فإذا كانت البيانات خاطئة أو متحيزة فإن الحلول ستكون كذلك، وفى هذا الوضع فإن الأكثر تضررًا من هذه النتائج الخاطئة هم عمومًا الأشخاص المهمشون.

هناك ظاهرة أكثر خطورة، وهى ظاهرة التزييف العميق Deepfake هى تقنية ناشئة للذكاء الاصطناعى، التى تمثل أيضًا خطرًا حقيقيًا. وهى تتكون من بناء وسائط (صورة، فيديو، نص، صوت) مطابقة للواقع. باختصار ، يمكن وصف تهديد التزييف العميق بأنه عملية احتيال، على سبيل المثال، تعرض أحد البنوك لعملية سطو، استخدم فيها المجرمون صوتًا مزيفًا إلى جانب ذلك، فإن المشاهير والنساء هم أيضًا ضحايا لهذه التكنولوجيا، خصوصا من خلال المواد الإباحية المزيفة، حيث يتم استخدامها للابتزاز.

نأتى للخطر الأكثر وضوحًا للذكاء الاصطناعى، وهو يتعلق بالأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل فنحن نتحدث عن طائرات بدون طيار أو دبابات يمكنها تحديد الأهداف وشن هجوم، دون أى تدخل بشرى تتجه جيوش أكبر الدول أكثر فأكثر، نحو تطوير هذه الأسلحة التى تعمل بالذكاء الاصطناعى، ومع إمكانية تعطل أى برنامج من هذه البرامج وعندما يتعلق الأمر بالأجهزة العسكرية المصممة للقتل، فقد تكون النتائج كارثية، ووفقا لتقرير للأمم المتحدة تعتبر الأسلحة المستقلة أكثر خطورة من الأسلحة النووية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: