Close ad

الذكاء الاصطناعى يرسم خارطة جديدة للعالم

31-5-2023 | 18:09
الذكاء الاصطناعى يرسم خارطة جديدة للعالمصورة أرشيفية
إيمان عمر الفاروق
الأهرام العربي نقلاً عن

القوة هى بمثابة العٌملة فى العلاقات الدولية.. هى فى أبسط معانيها الفرق، بين من ينحتون الخطوط العريضة للنظام الدولى ومن ينقادون لهم. والتكنولوجيا هى عنصر تمكين بارع لكل من القوة الصلبة والناعمة للدولة.. والخبرة التاريخية شاهدة على أن الثورات التكنولوجية، كانت بمثابة مقصلة لبعض القوى العظمى ورافعة للبعض الآخر.. وها هو الذكاء الاصطناعى يحاول إعادة صياغة العالم بكل نمنماته، ليرسم خطا طوليا على خارطة العالم، بين من يملكون ومن لا يملكون. وإن كان فريق من الخبراء يطعن فى قدرته على منح القوة تلقائيا، فكم من الدول ذات الثراء التكنولوجى الذى لا يترجم إلى نفوذ سياسى، مثل “فنلندا” التى تبدو كشاهد نفى لنفوذ الذكاء الاصطناعى سياسيا. فما مدى وأبعاد التأثير الجيو- سياسى للذكاء الاصطناعي؟ وآلياته؟

كلما وجدنا سبيلا للاطمئنان لحسن نيات «الذكاء الاصطناعى»، وبأن ما يثار ضده هو نوع من هوس شيطنة كل ذى صلة بعالم التكنولوجيا البراق، أو أنه ينطلق من حناجر أدمنت النغمات التآمرية الكلاسيكية، أو أنه القدر المشترك لكل تطور جديد فى معركة إثبات الوجود أمام هجمات الرفض، سرعان ما تتفجر بداخلنا «ثورة الشك» مرة أخرى، وتلك المرة مختلفة تماما، لأنها صادرة عن الأب الروحى للذكاء الاصطناعى، جيفرى هينتون، الذى غادر شركة «جوجل» أخيرا منذرا ومحذرا من مخاطر هذا العالم، الذى قضى عمره لصياغته، وبدلا من أن يصفق لإنجازاته، صب اللعنات عليها على غرار ما فعل عالم الفيزياء روبرت أوبنهايمر «أبو القنبلة النووية». وربما نسمع قريبا عن اتفاقية للحد من انتشار الذكاء الاصطناعى، أو نزع السلاح المتبادل بين الأطراف!

فثمة تشابه كبير بين ما يحمله من تهديدات وما جلبته القنبلة النووية من تدمير للبشرية، حيث يحمل فى يد باقة من وعود التقدم والرخاء.. وبالأخرى نذر حرب لا يعلم أحد من الرابح فيها.

الذكاء الاصطناعى، هو “الثورة الصناعية الرابعة” على حد تصريحات  كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادى العالمى،  ويراه إريك شميدت، الرئيس التنفيذى السابق لشركة جوجل، مهم للغاية لمستقبل القوة، لدرجة احتياج الولايات المتحدة الأمريكية إلى إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعى تماما، مثل برنامج الفضاء خلال الحرب الباردة. تشير تلك التصريحات إلى أن الذكاء الاصطناعى، سيكون له تأثير كبير وحتمى على السياسة العالمية وتوازن القوى.  

ولكن ترجمة القوة التكنولوجية إلى مخرجات سياسية، يجرى بشكل غير مباشر، مثلما حدث خلال الثورة الصناعية الأولى والثانية. فى دراسة رصينة أعدها مركز CSET، وهو منظمة بحثية تابعة لجامعة جورج تاون بعنوان «القوة الوطنية فيما وراء الذكاء الاصطناعى» جاء بها أنه من المرجح أن تغير تقنيات الذكاء الاصطناعى منافسات القوى العظمى بطرق تأسيسية، وتغير كل من دوافع الدول لممارستها ضد بعضها البعض. وتحذر من العواقب السلبية للرأى القائل، إن الرابح هو من يملك القدرة على الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى بشكل أسرع، فهذا المنحى يمكن أن يقود إلى تضليل القادة السياسيين لتجاهله نقاط الضعف والتكاليف، ومخاطر الحوادث الجديدة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعى الحديثة.

وينبغى التأكيد أن الابتكارات الرائدة لا تتولد عنها قيمة للدول فقط، بل تغير أيضا القيمة النسبية للأصول المكتسبة سابقا، والممارسات التنظيمية وإستراتيجيات الدفاع. فتطوير ألمانيا «للحرب الخاطفة» خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، غالبا ما يستشهد بها كمثال خاص لمقاربات جديدة مهمة لتأثير تطورات اليوم، حيث قام الجيش الألمانى بتكييف ممارساته العملياتية بشكل فاعل لتناسب التقنيات الجديدة.

لكن تأثير الابتكارات الكبرى يمكن أن يكون على نطاق أوسع بالطبع، حيث منحت الثورة الصناعية عوامل جديدة أهمية مركزية للقوة الوطنية. بما فى ذلك القدرة على الوصول إلى موارد معينة والاستفادة منها صناعيا. ولم يكن التصنيع «ثوريا» بسبب الوتيرة السريعة للتغيير، لكن بسبب حجمه النهائى للتغيير، كما حدث فى موجات على مدى عقود من الزمان. وبالتطبيق على الذكاء الاصطناعى قد تكون للاستبدال التدريجى للروبوتات للعمل محل العنصر البشرى آثار اقتصادية واجتماعية على نطاق مماثل للثورة الصناعية، بحيث يمكن أن تجعل تلك التحولات التأسيسية بعض العمليات والموارد الحالية للدولة عتيقة.

الذهب الأسود

فى عام 2017 قامت مجلة “الإيكونومست“ بصك مقولة، سرعان ما باتت تيمة تتصدر الأدبيات السياسية “لقد أضحت البيانات موردا باهظ الثمن ينافس النفط” بل لقد ذهب البعض إلى القول: إن المعلومات تتمتع بمزايا تنافسية، لأنها عنصر لا ينضب.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المؤشرات التى يتم الاحتكام إليها أحيانا لتصنيف الدول من حيث قوتها التكنولوجية، تبدو مخادعة أو أكثر تعقيدا، فعلى سبيل المثال تتربع الصين على عرش العالم، من حيث عدد مستخدمى الإنترنت بنحو 900 مليون مستخدم عام 2020، تليها الهند بـ 750 مليون ثم الاتحاد الأوروبى بـ 400 مليون، بينما أمريكا المرتبة الرابعة لـ 290 مليونا! وبالطبع فإن تصدر كل من الصين والهند للقائمة هو بفضل حجم السكان لديهما، فمزيد من السكان يعنى مزيدا من المستخدمين. ثمة معايير أكثر مصداقية وواقعية لقياس القوة التكنولوجية للدول، مثل ابتكار الشركات والقدرة على دمج التقنيات الحديثة فى مختلف الأنظمة الحيوية.

الإنفاق العسكرى

من المؤكد أن التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعى، تؤثر على كيفية ممارسة الدول لقوتها فى السياسة العالمية، ومقدار القوة التى تمتلكها، وفى ضوء الاستثمار المتزايد فى تقنيات الذكاء الاصطناعى المحتملة من قبل الجيوش فى جميع أنحاء العالم، كيف ستكون استجابة الدول؟ للإجابة عن هذا السؤال وبالاستناد إلى الدراسات والأبحاث والباحثين والممارسين، من الضرورى فهم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعى أولا على القوة الوطنية للدولة، وثانيا تأثيره على النظام الدولي. وهو ما يتطلب جهدا بحثيًا يقوم بتطبيق المفاهيم التأسيسية فى مجال العلاقات الدولية لتحديد المسارات النظرية، التى قد يؤدى من خلالها الانتشار العالمى له إلى تغيير الفرص ونقاط الضعف، لكيفية ممارسة الدول لنفوذها فى السياسة الدولية. فهو يمكن أن يؤثر على كل من الأبعاد العسكرية وغير العسكرية للقوة الوطنية، وعلى السمات النظامية الدولية، بما فى ذلك استقرار ميزان القوى والنظام المؤسسى الدولى والمعايير الدولية. وهو ما أكدت عليه دراسة تم نشرها بموقع Oxford Academic.

 وتشير التقديرات الواردة حسب تقرير صدر حديثا عن مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون لميزانيات وزارة الدفاع للمشتريات والأبحاث، إلى أنها أنفقت ما بين 800 مليون دولار إلى 1.3 مليار دولار على الذكاء الاصطناعى فى عام 2020، وبالنسبة للسنة المالية 2024 طلبت وزارة الدفاع من الكونجرس، اعتماد 1.8 مليار دولار للذكاء الاصطناعى، فى حين سعت ميزانية السنة المالية 2022 للحصول على مبلغ 874 مليون دولار للذكاء الاصطناعى. ويكشف حجم المبلغ المطلوب هذا العام الأهمية المتصاعدة للذكاء الاصطناعى.

ويقول الخبراء: إن تلك الزيادة ستضع الولايات المتحدة الأمريكية، فى مكان مقارب لميزانية الصين، التى يقال إنها تنفق بالفعل نحو 1.6 مليار دولار لتمويل أبحاث تطوير الذكاء الاصطناعى فى المجال العسكرى. وإن يكن من الصعوبة بمكان الجزم، بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل مكانة متقدمة عن الصين أو ورائها من حيث الإنفاق، لأن التقديرات العامة بشأن الإنفاق الصينى لم يتم التحقق من صحتها ولكن يفترض أن كلاً منهما باتت على قدم المساواة بالأخرى فى سباق التسلح بالذكاء الاصطناعى.

يبقى أن نرى كيف يمكن للذكاء الاصطناعى أن يغير توازن القوة العسكرية فى منطقة المحيطين الهندى والهادى؟ وبحسب دراسة نشرتها مجلة “ناشيونال ديفينس” فإن أبحاث البنتاجون وجهود الحلفاء لتنظيم الوصول إلى أجهزة أشباه الموصلات، قد تعوق فائدة أنظمة الذكاء الاصطناعى للصين.

ساحة المعركة الرابعة

كل الشواهد التاريخية ومجريات التطورات الحالية، تؤكد محورية التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعى بالمنصة السياسية، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ ما آليات أو قنوات التأثير؟

قليلة هى الكتابات التى سعت لتلمس وسائط تلك العلاقة الثورية، ومن أشهرها وأكثرها ثقلا وعمقا كتاب “ساحات المعارك الأربع: القوة فى عصر الذكاء الاصطناعى، حيث قام مؤلفه بول شار - خبير الشئون الدفاعية والعسكرية ومحلل سياسى سابق بالبنتاجون ونائب رئيس مركز الأمن الأمريكى الجديد- برصد أربع ساحات لصراع السيطرة على الذكاء الاصطناعى، لشرح كيفية تأثير الأخير سياسيا واضطرابات عميقة فى ميزان القوى العالمى، والمعركة الرابعة هى للقوة الرابحة. وهى كالتالى: البيانات، قوة الحوسبة، الموهبة، والمؤسسات.

البيانات يشبهها المؤلف بالفحم أو النفط أو الغاز الطبيعى، كونها موردا حيويا وإن يكن ثمة اختلافات وخطوط تماس تفرقهما أحيانا وتجمع بينهما أحيان أخري.أما قوة الحوسبة فجوهرها رقائق الكمبيوتر المتطورة، فالتحكم فى سلاسل توريد الرقائق، يمنح نفوذا على المنافسين. وتدور الموهبة فى فلك الأشخاص؛ فالدولة التى تجذب أفضل الباحثين وشركات التكنولوجيا سيكون لها الغلبة. ربما تكون ساحة المعركة الرابعة هى الحاسمة والأكثر أهمية؛ سيكون لدى القائد العالمى النهائى فى مجال الذكاء الاصطناعى مؤسسات تدمجه بشكل فاعل فى تروس الاقتصاد وثنايا المجتمع وأجنحة الجيش.

ربما يكون التطبيق الأساسى للذكاء الاصطناعى الذى سيساعد فى إعادة بلورة القوة الوطنية، هو التطبيق الواسع له بهدف تعزيز الإنتاجية الاقتصادية والبحث العلمى.عندما يتم اعتماد تقنية الذكاء الاصطناعى عبر مجموعة من الصناعات وزيادة الإنتاجية الاقتصادية، فستكون لذلك تأثيرات من الدرجة الثانية والثالثة على القوة الوطنية من خلال زيادة الناتج المحلى الإجمالى، ثم السماح للدولة بتحويل الإنتاجية الاقتصادية إلى أدوات أخرى وأحيانا أكثر واقعية، سواء كانت إنشاء أقمار صناعية أم معالجة المعلومات الاستخباراتية أو دعم القوات العسكرية.

وحاول المؤلف تتبع الطرق التى تستكشف عبرها أنظمة الذكاء الاصطناعى بالفعل إستراتيجيات جديدة من خلال محاكاة ألعاب الحرب، وتطوير تكتيكات قتالية أفضل من أى إنسان، وتتبع مليارات الأشخاص باستخدام القياسات الحيوية، والتحكم بمهارة فى المعلومات باستخدام خوارزميات سرية. وقام بزيارة ميدانية لشركات الذكاء الاصطناعى الصينية الرائدة، لمعاينة التآزر المخيف بين الحكومة الصينية والقطاع الخاص. كما قام بجولة فى مكاتب وزارة الدفاع الأمريكية بوادى السيليكون للوقوف على طبيعة العلاقة بين البنتاجون، وعمالقة التكنولوجيا الذين يتحكمون فى البيانات والرقائق والمواهب. ليرسم لنا صورة واقعية حية عن كيفية قيام الذكاء الاصطناعى، بتحويل الحرب والأمن العالمى ومستقبل الإنسان بشريا، وما شروط البقاء فى طليعة النظام العالمى؟

طعنة فى الظهر

هل هى معايير مضللة أم أن العلاقة بينهما غير المباشرة يمكن الطعن فيها؟ التكنولوجيا والتقنيات الحديثة مفتاحا القوة الوطنية، لكن يجب الاعتراف بأنهما لا تمنحان السلطة تلقائيا، فثمة عوامل أخرى كقدرة الدول على دمج تلك الابتكارات أو ما يطلق عليه التمكين.

مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية الأمريكى، قام بنشر دراسة بعنوان “التكنولوجيا وتحول ميزان القوة” فى إبريل عام 2022، وهى حلقة من سلسلة دراسات حول تطوير وإدارة التقنيات الرئيسية، وكيفية توظيفها لاكتساب ميزة وطنية ضمن برنامج التكنولوجيا الإستراتيجية التابع له. وكانت تلك الدراسة بمثابة طعنة بظهر شركات الذكاء الاصطناعى، ومحاولة تفكيكية لهدم النظرية المؤمنة بقدرة AI على إعادة رسم خارطة العالم.

حاولت الدراسة اختبار مدى صحة العلاقة والارتباط الطردى، بين امتلاك الدول لمستويات عالية من التكنولوجيا وقوتها على الساحة العالمية، وهى علاقة لا تخلو من الصحة بديهيا وللوهلة الأولى، لكن بالتطبيق العملى يتكشف زيفها أحيانا؛ فالوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة واستخداماتها الواسعة النافذة لا ينهض بذاته، كسبب لتفسير قوة الدول، ذلك أن هناك حالات تمكنت فيها بلدان من ممارسة نفوذ على الساحة الدولية لا يتناسب مع التدابير الملموسة لقوتها، وبالمقابل فإن بعض الدول التى تتمتع بحيازة التكنولوجيا المتقدمة، تجد أحيانا أن مجموع قوتها أقل بكثير من إجمالى أجزائه !

شاهد نفى

إن قدرة الدول أو الجماعات على اكتساب ميزة تنافسية، بفضل التغير التكنولوجى - سواء بالابتكار أم تبنى التكنولوجيا الحديثة - أضحى مفتاحًا للقوة الوطنية، لكن برغم ذلك يجب علينا الانتباه والاعتراف، أن التكنولوجيا الحديثة لا تمنحنا القوة تلقائيا.تؤثر العديد من العوامل بخلاف التكنولوجيا على القوة والقدرة على التأثير عالميا؛ لدينا “فنلندا” نموذجا كونها من أكثر الدول تقدما من الناحية التكنولوجية، وعلى الرغم من أن هذا قد يترجم إلى ثروة ومكانة للفنلنديين فإنه لا يترجم تلقائيا إلى قوة ونفوذ سياسى. وهكذا تبدو فنلندا كشاهد نفى للنظرية القائلة إن امتلاك التكنولوجيا الحديثة هو المفتاح السحرى لاعتلاء قمة الهرم السياسى العالمى، وشاهد إثبات على صحة مزاعم الدراسة التى بين أيدينا.

يمكن أن تلعب الثقافة السياسية والتنظيم دورا أكبر، كما قد تكون العوامل الطبيعية مثل المساحة الجغرافية أو حجم السكان، أو العنصر البشرى كالقيادة الماهرة، هى المحددات الأكثر إلحاحا للنفوذ والهيمنة. فالقيادة الخرقاء أو الإستراتيجيات التى عفا عليها الزمن من شأنها تقويض أى ميزة يمكن أن توفرها التكنولوجيا الحديثة.

قبل عقدين من الزمان، كانت هناك توقعات بانضمام المزيد من البلدان التى تحتل مكانة متوسطة بالعالم النامى إلى صفوف قادة التكنولوجيا مثل تركيا، البرازيل وجنوب إفريقيا وعدد قليل من البلدان الأخرى، لكن التطور الجارى لدى تلك الدول يحدث بوتيرة أبطأ مما كان متوقعا. فلم يكن انتشار القدرة على خلق تقنيات جديدة، بالقدر الذى كان متوقعا فى بدايات عولمة التسعينيات من القرن الماضي.

الابتكار واعتماد التكنولوجيا الحديثة هما مفتاح النمو الذى يخلق القوة الوطنية. والاستثمار فى الأبحاث والتطوير يمكن أن يقودا إلى تحقيق عوائد اقتصادية حقيقية، لكن بذات الوقت لا يعد الإنفاق على البحث والتطوير مقياسا مثاليا، فهناك دول تنفق بكثافة فى تلك المجالات دون فائدة مباشرة لاقتصادياتها أو مردود واضح على قوتها العسكرية.

وتتعلق أسباب ذلك بطبيعة الابتكار ومتطلبات ثقافة ريادة الأعمال، ومدى إمكانية الاستفادة من تلك الأبحاث للإسهام فى تحقيق منفعته الكاملة.يتطلب تعزيز القوة الوطنية خلق بيئة تشجع على الابتكار فى كل من التكنولوجيا وإستراتيجيات اعتمادها. وكلاهما يمثل تحديًا، نظرا للتوجهات السياسية العريضة التى تبطئ وتيرة تبنى التكنولوجيا فى بعض الدول.فالدول تختلف بطبيعة الحال فى قدراتها على استغلال التقنيات الحديثة وتعزيز مناخ الابتكار. بمرور الوقت قد يصبح هذا التناقض أفضل مؤشر لقياس التغيرات فى علاقات القوة. وقد تكون القدرة على الابتكار واكتساب المعرفة أكثر أهمية من أى تقنية معينة. وانطلاقا من هذا الأساس ستصبح البلدان القوية اليوم، لكنها غير قادرة على توسيع رقعة استخدام التكنولوجيا الحديثة، أو الناشئة باستمرار أضعف نسبيا من تلك التى تستخدمها على نطاق أكبر. وربما يساعد الاعتراف العام والتسليم بتلك الديناميكية على تفسير الاهتمام رفيع المستوى بالعنصر التكنولوجى.

السرد العالمى

الدبلوماسية العامة التى أعلنها الرئيس الأمريكى وودرو ويلسون عام 1918، تواجه اليوم تحديات، تعقد مهمتها فى إدارة العلاقات الدولية، لأن التقنيات الحديثة تعمل على إذابة قدرات التحكم فى الروايات وتقويض دور وسائل الإعلام التقليدية.صحيح أن بعض التقنيات الرقمية الحديثة قد تعمل فى الواقع على تقليص تأثير الأزمة، إلا أنها خلقت قنوات بديلة للمعلومات والرأى، التى باتت تحد من قدرة الحكومات للهيمنة على النقاش العام، وتنتج فوضى وتعدد أقطاب للتأثير فيما يمكن تسميته معركة السيطرة على “السرد العالمى”.

تعدد منابع التأثير العالمى، يأخذ منحنى من العام إلى الخاص، فلم تعد الحكومات وشركات الدفاع هى المصادر الأساسية للابتكار. فمنذ نهاية الحرب الباردة كان القطاع التجارى هو منبع التكنولوجيا المتقدمة. وقد يكون التأثير طويل الأجل للتكنولوجيا، هو قدرتها على توزيع القوة بين القوى الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، وإعادة تشكيل المنافسة العالمية.إن البلدان التى تبذل جهدا وتسعى لتعظيم الاستفادة من الموارد الخاصة والتجارية والأكثر قدرة على توظيف التطورات التكنولوجية، ستحقق بالطبع أداء أفضل نسبيا فى المجالين الاقتصادى والعسكري.

لكن الاعتماد على الابتكار التجارى يؤثر على ملامح السباقات الثنائية دوليا. فعلى عكس ما كان سائدا إبان حقبة الحرب الباردة، فإن الترابط والتداخل والتعاون بين الشركات وقطاع العلوم اليوم، يغلف التنافس الثنائى بغلالة الغموض. أصبح البحث والابتكار الآن دوليا أكثر منه وطنيا، ومحاولة تقليص المسافة بينهما، سوف تستغرق وقتا طويلا.

تسعى الصين لامتلاك ميزة تنافسية، ومن ثم تتحقق لها الريادة والهيمنة، وقد أعلنت بوضوح أن التطور التكنولوجى هو مفتاح القوة الوطنية، لكن أيا من الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية، لم يقتف أثر “الثنائية“ على نحو ما كان سائدا فى ظل الحرب الباردة. وفى ذات الوقت تفتقر مراكز القوة المحتملة الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبى أو الهند إلى إستراتيجيات متماسكة أو فهم واضح لشروط ومتطلبات المنافسة.

فجوة الثراء والفقر

ملمح آخر للتأثير المتوقع للذكاء الاصطناعى والروبوتات على التوازن الدولى واقتصادات الدول النامية، حذر منه تقرير خطير صادر عن “صندوق النقد الدولى” فى ديسمبر 2020. فمن المتوقع أن تحدث التقنيات الجديدة فى مجال AI ثورة فى عمليات الإنتاج، لكن يمكن أن يكون لها أيضا تأثير كبير على الاقتصادات النامية. تختلف الفرص والمصادر المحتملة للنمو التى تتمتع بها الدول، فبالطبع لا يمكن مقارنة ما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين، بما تواجهه كمبوديا أو تنزانيا فى عالم اليوم. حيث وجد فريق العمل البحثى أن التكنولوجيا الحديثة تمثل مخاطرة بتوسيع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، من خلال تحويل المزيد من الاستثمار إلى الاقتصادات المتقدمة، حيث تم بالفعل إنشاء نظم الأتمتة. وهذا بدوره قد يحمل عواقب سلبية على الوظائف فى البلدان النامية، من خلال التهديد باستبدال القوى العاملة المتنامية، التى قدمت تقليديا ميزة للاقتصادات الأقل نموا.ولمنع هذا الاختلاف المتزايد سيحتاج صانعو السياسات فى الاقتصادات النامية، إلى اتخاذ إجراءات لزيادة الإنتاجية وتحسين مهارات العمال.

ونلاحظ أن تلك الدراسة كانت قبل التطورات الأخيرة التى شهدها مجال AI، وطغيان الروبوتات وتوغلها، لاكتساح كل مجالات الحياة وقطاعات العمل، بشكل يفوق الخيال وتصورات تقرير “صندوق النقد الدولى“ وإذا كان القائمون عليه، قد وصفوا الأمر بأنه بالغ الصعوبة والقسوة بالنسبة للدول النامية منذ ثلاثة أعوام، فمن المؤكد أنه اليوم أكثر شراسة والفجوة تعمقت ولا سبيل لتقليصها، لأن الأمر قد خرج عن السيطرة. لكن تظل الدراسة ذات قيمة بحثية فى إلقاء الضوء على وجه التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعى على الاقتصادات النامية، وتوسيع الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون. وقد خلص إلى ذات النتيجة عدد من المؤتمرات العالمية أخيرا، وتم نشر إحداها على موقع SHS Conferences لتزف إلينا بشرى غبر سارة، بأننا على أعتاب حقبة اللا مساواة بدرجة غير مسبوقة.

 يظل من الصعب علينا تحديد ملامح وحجم التأثير السياسى للذكاء الاصطناعى بدقة، لأنه ليس لدينا ببساطة نموذج للقياس وللتنبؤ، وربما الإجابة تختبئ فى جعبة  Chat GPT المحاور العالمى!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة