Close ad

طوف وشوف (3).. بوروندي

28-5-2023 | 18:31

رغم عشقي الكبير للسفر إلا أن تلك الرحلة كانت طويلة جدًا ومرهقة بشكل كبير، حيث لابد من الانطلاق والهبوط والإقلاع عبر خمس مطارات دولية حتى تصل إلى هناك.

تنطلق أولًا من مطار القاهرة لتتوقف في مطار الخرطوم، ثم تقلع منه إلى مطار أديس أبابا عاصمة إثيوبيا لاستبدال الطائرة التي سوف تتوقف مرة أخرى في مطار كيجالي عاصمة رواندا لتهبط أخيرًا في مطار بوجمبورا عاصمة بوروندي. على فكرة مطار بوجمبورا ليس بدائيًا كما صوروه في أحد أفلام رامز جلال، لكنه بالفعل كان من أصغر المطارات التي زرتها في حياتي على الإطلاق. 
 
منذ خرجنا من المطار وحتي وصلنا إلى الفندق وأيضًا خلال جولاتنا في المدينة شعرنا أننا نسير في قرية صغيرة، لا توجد مباني كبيرة بل أكاد أقول مجرد منازل بسيطة للغاية لا تجعلك تصدق - حينئذ - أنك تسير في أحد العواصم العالمية. كان أعلى المباني هو الفندق الذي أقمنا فيه وكان لا يزيد على خمسة أو ستة أدوار على الأرجح إن أسعفتني ذاكرتي، وكان فندقًا بسيطًا رغم أنه أكبر فنادق العاصمة، وكانت المدينة أو ربما أقول البلدة تخلو من مظاهر النظام الحضري المعروف، اللهم إلا بعض المباني الخاصة بالإدارات الحكومية ومحلات الملابس والسوبرماركت، ورغم ذلك أعترف أن تلك البساطة – التي ربما عهدتها فقط في الريف - كانت أجمل ما يميز زيارتي لبوروندي.
 
فور وصولنا خرجت أنا وأحد الزملاء لشراء بعض الطعام، وحيث إنني الوحيد الذي يعرف بعض الكلمات الفرنسية ترك لي زميلي مهمة السؤال عن مكان أقرب سوبرماركت، استوقفت أحد المارة وبدأت أسترجع ما أعرفه من الكلمات الفرنسية، كانت صدمتي كبيرة حين لم أعثر بينها على كلمة سوبرماركت supermarché.
 
استجمعت قواي وقلت لنفسي لا يهم، سوف ألتف حول المعنى وأصل إلى ما أريد، قلت له بالفرنسية وبكل ثقة من فضلك أريد شراء جبن وخبز وفاكهة.. إلخ، وانتظرت أن يقول لي حسنا، ها هو السوبرماركت، لكنني فوجئت به ينظر في وجهي متعجبًا ويبتسم قائلًا حسنًا اذهب، ثم هم بالانصراف، استوقفته وكررت السؤال: يا صديقى! من فضلك أريد شراء جبن وخبز وفاكهة، فابتسم مرة أخرى وقال حسنًا اذهب واشتري ما تريد، ثم انصرف مسرعًا وهو يتمتم بكلمات لم نفهم منها شيئًا. استوقفت شخصًا آخر وكررت عليه السؤال فكرر هو الآخر نفس الرد.
 
فاستوقفت نفسي هذه المرة وراجعت ما قلت لأكتشف أن عدم ممارستي اللغة منذ فترة طويلة قد أنستني أن "أعوج" لساني بالقدر الذي تتطلبه اللغة الفرنسية، وبدلا من أن أقول je vuexacheter قلت je vaisacheter أي بدلًا من أن أقول أريد شراء جبن وخبز، قلت له بابتسامة كبيرة تعلو وجهي أنا سوف أشتري جبنًا وخبزًا.. وظللت أكررها أنا سوف أشتري جبنًا.. أنا سوف اشتري جبنًا، لذلك تعجب الناس وابتسموا وقالوا: "حسنًا اذهب واشترِ ما تريد". 
 
كان الخروج من الفندق بعد حلول الظلام محظورًا بناء على نصيحة قدامي الزملاء الخبراء بتلك الدول، فالوضع الأمني كان حرجًا، أتذكر عندما خرجنا للتسوق في أحد الأيام ثم فوجئنا بالشمس وقد بدأت تختفي تدريجيًا في الأفق دون أن نشعر، حينها قرر اثنان من الزملاء العودة بسرعة وهم في منتهى الذعر، لكنني قررت البقاء في الشارع؛ حيث كانت الأمطار قد بدأت في الهطول، وتولدت بداخلي رغبة جامحة وإصرار شديد على البقاء والسير في طرقات البلدة في تلك اللحظة التي أحسستها مميزة.
 
وقرر زميلي العزيز الدكتور سامي البقاء معي، ضاربين بنصائح زملائنا وتحذيراتهم عرض الحائط، بقينا تحت المطر يملؤنا شعور المغامرة والمخاطرة وربما البطولة، ولم لا وقد تغلبنا على الخوف الذي أصاب زملائنا، واكتمل الانتصار بالضحك، ضحكنا كثيرًا وما زال الموقف يضحكنا كلما تقابلنا وتذكرناه، لا أدري هل كان ذلك تعبيرًا عن الإعجاب بشجاعتنا وإقدامنا، أم تعجبًا من ذلك الجنون الذي عصف بنا وقتها لدرجة أن نعرض أنفسنا لتلك المخاطرة الشديدة التي يمكن أن يكون نتيجتها الموت كما قالوا لنا، وبعد عدة دقائق عم ظلام دامس في الأنحاء، نظرت إلى صديقي وتذكرنا أن طريق العودة إلى الفندق عبارة عن طريق "مقطوع"، وفجأة شعرنا ببعض الخوف فأسرعنا بالعودة.
 
رغم فقر تلك البلدان إلا أنها مليئة بالخيرات والمصادر الطبيعية التي يمكن أن تجعلها من أغنى بلدان العالم، ولنا في تجربة رواندا الجارة الشقيقة لبوروندي خير مثال؛ حيث أصبحت حاليًا قبلة الراغبين في حياة سعيدة في إفريقيا. 
 
أجمل الأسماك طعمًا يمكن أن تجدها في بوروندي؛ حيث توجد بحيرة تنجانيقا ثاني أكبر بحيرة للمياه العذبة حجمًا وعمقًا في العالم، أيضًا تجد بها أفضل وأجود شاي يمكن أن تتذوقه في حياتك Burundi Tea والذي كان سببًا منذ ذلك الوقت في ألا أتردد إطلاقًا في شراء الشاي الجيد وإن غلا ثمنه؛ حيث تعودت على طعم هذا الشاي واشتريت منه كمية كبيرة، وكنت أثقل على أي زميل يذهب إلى بوروندي لشراء كميات منه.
 
كانت تلك الزيارة في عام 2006 حين فازت مصر بكأس إفريقيا، كنت قد شهدت الاحتفالات الكبيرة التي أوقفت السير في شوارع القاهرة، وكادت تؤخرني عن موعد الطائرة، لكنني بالفعل لست متابعًا لكرة القدم ولا تتجاوز علاقتي بها مباريات مصر في كأس العالم عام 1990 وأهداف محمد صلاح التي أحرص تمامًا على مشاهدتها..... بعد انتهاء المباريات؛ لذلك عندما قال لي زميلي في الطائرة "ابسط يا سيدي دروجبا قاعد جنبك" لم أنتبه لما قال ولم أدرك أنني أجلس إلى جوار واحد من أشهر لاعبي كرة القدم في العالم، وبعد وصولنا فوجئت في إحدى النزهات ببعض الأطفال يلعبون كرة القدم، وعندما شاهدونا أسرعوا إلينا وقالوا هل أنتم من مصر مبروك كأس إفريقيا.
 
لا أدري لماذا أحسست من نظراتهم أنهم ينتظرون أن نتناول الكرة ونريهم بعض المهارات، تمامًا كما كنا نظن ونحن صغارًا أن كل الصينيين يجيدون الكونغ فو مثل بروسلي.
 
الناس في بوروندي طيبون للغاية وكان من حظي التعرف على أحدهم الذي كان زميلًا لي في العمل بجامعة برجن بالنرويج. "باسكال" كان شخصًا رقيقًا مهذبًا بشكل كبير لدرجة أنه لم يذكر لنا ولا مرة واحدة أنه كان يشغل منصب وزير في حكومة بوروندي، علمنا ذلك بالمصادفة وكان يعاتبني بشدة كلما قدمته لأحد الأصدقاء على أنه وزير سابق، وتكونت بيننا صداقة كبيرة وعندما زار مصر لحضور أحد المؤتمرات استقبلته وسعدت جدًا بوجوده ودعوته لقضاء ليلة في الحسين ما زال يذكرني بها كلما تراسلنا.
 
ولا أنسى بالطبع كرم الضيافة من السفير المصري الذي بمجرد علمه بوصولنا أرسل إلينا يدعونا لحفل عشاء تكريمًا لنا، وهو سلوك تعودناه من سفرائنا الأجلاء في رحلات كثيرة.
كلمات البحث
الأكثر قراءة