Close ad
21-5-2023 | 16:09

داخل أروقة "الحوار الوطني"، وفي أولى جلسات المحور المجتمعي والتي شرفت بالمشاركة فيها كمتحدث، كان طرح موضوع "الهوية المصرية" للنقاش. والحقيقة أن هذا الموضوع يثير في الذهن بالتبعية سؤالًا منطقيًا وهو: مَن نحن؟! ما هي تلك الهوية التي نحن بصدد النقاش حولها، خشية محاولات الاختطاف أو التشويه؟ 
 
هل الهويةُ المصرية حاليًا تتشكل بالانتماء إلى حضارة المصريين القدماء العظام الذين عاشوا فوق هذه الأرض قبل آلاف السنوات مشيدين أهراماتهم ومعابدهم، تاركين لنا أعظم آثار العالم، فضلًا عن عادات طقوسية، واحتفالات موسمية، ومفردات حتى اليوم ممتزجة بالعامية المصرية؟! إن احتفال المصري بـ "سُّبُوع المولود" أقدم من كل أعياد الديانات الإبراهيمية.  
 
هل هويتنا عربية؟ البعض يدفع بأن تضخيم انتماء المصريين إلى محيطهم العربي، هو صنيعة مشروع قومي رحل مع ستينيات القرن الماضي، لكن بماذا نفسر دموعنا حين سقطت بغداد عام ٢٠٠٣، ونزف جراح النفس مع كل مصاب لأهلنا في فلسطين، مع هلعنا حين انفجر مرفأ بيروت ٢٠٢٠؟! كيف نفسر قفزنا في الهواء مع هدفي المملكة السعودية في مرمى الأرجنتين، ومع كل هدف كان يسجله منتخب المغرب في كأس العالم ٢٠٢٢؟!
 
سؤال آخر، هل هوية المصري المسلم منتمية في تكوينها فقط إلى حضارة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى التي أنارت العالم حين غربت الإمبراطوريات الأخرى؟! وهل شخصية المصري المسيحي منتمية في تكوينها فقط إلى الحقبة القبطية في التاريخ المصري؟! إن أحوال المواطنين المصريين الذين يبتهجون بفوانيس رمضان وأشجار عيد الميلاد، الذين يأكلون العاشوراء في شهر محرم، ويكحلون عيون البنات في سبت النور، لا يمكن تصنيف هويتِهم وفقًا لتركيبة أحادية خالصة.
 
من ناحية أخرى، وبما أننا جزءٌ من القارة السمراء، فماذا عن المكون الأفريقي في الهوية المصرية؟! إن زيارة واحدة إلى جنوبي مصر، وطلة في وجوه النبلاء الطيبين على ضفتي النهر مع تدبر عاداتهم وتقاليدهم، تكفي كي تدرك أن أفريقيا مكون رئيس من مكونات هويتنا. ماذا عن ملامح محمد منير وحجاج أدول وأحمد منيب ومحمد حمام ومحمود عبدالرازق شيكابالا؟! رُبما هذا سمت كثير من السحرة! جذورهم في الأرض تمتد نحو الجنوب!
 
استفهام أخير، ماذا عن مكون حضارات البحر المتوسط في هويتنا، لقد رأينا كيف ثار مصريون مع تقديم منصة "نتفليكس" للملكة "كليوباترا" ذات الأصل المقدوني بوجه أسود، رُبما بعضهم في قرارة نفسه، شعر أنه يدافع عن وجه جدته البعيدة ضد التزييف -بعيدًا عن اللون- وهذا في جوهره من صور الانتماء والاعتزاز. والحديث هنا ليس تاريخيًا فقط عن حقبة يونانية أو رومانية لمصر، بل إن مطالعة لكتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" للشيخ/ رفاعة الطهطاوي، أو كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" لعميد الأدب العربي د/ طه حسين، تكفي كي ندرك أهمية انتمائنا إلى حضارة هذا الحوض المتوسط الدافئ، وكيف أثر بنا وأثرنا بدورنا فيه. 
 
وفقًا لكل ما دار، فإننا لو قمنا باختيار أي مواطن مصري، لوضعه تحت عدسة مجهر حضاري، سيتبين لنا كيف أن كل الطبقات الحضارية المذكورة قد انصهرت في سبيكة هويته الفريدة، بنسب تختلف من شخص إلى آخر حسب النشأة والثقافة. ورُبما الفعل الأصوب لحماية هذا التفرد هو العمل على "توثيقه" والتبصير به وتبيان ثراء طبقاته وتأصيل جذورِه، خاصة في عقل ووجدان القادمين الجدد، المتروكين لمواقع التواصل المختلفة ومنصات الأفلام بقيمها المجلوبة، مع العمل على "تطوير صياغة كتب التاريخ المدرسية"، وطرح فكرة أن تكون مادة التاريخ "إجبارية" أيضًا على طلبة القسم العلمي بالثانوية العامة أسوة بالقسم الأدبي، لأن دراسة التاريخ الذي هو لُب حكاية الهوية المصرية، لا يمكن أن يختص بها طلاب دون آخرين، هذا كله إلى جوار حتمية "استنهاض مستوى اللغة العربية" لدى طلاب جميع أنواع المدارس في ظل تدني مستوى اللغة الأم لدى قطاعات عريضة من المصريين، سيَّما وأن تشوه الهوية يبدأ بانهيار اللغة، ما بالنا بانهيار مستوى العربية التي هي القاسم المشترك الأكبر بين مواطني الدولة المصرية.
 
في النهاية، أرى أن الهوية المصرية بطبقاتها وتركيبتها الغرائبية يجب أن يُسلم بها كما هي، دون محاولة تغليب مكون على آخر تحت ادعاء صوابية دينية لجماعة هنا، أو زعم صوابية ثقافية لطبقة هناك، لمَ لا وهي هوية فرضها التاريخ على بلد وجد نفسه واقفًا عند ناصية حُلم كل الحضارات!

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: twitter.com/sheriefsaid

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة