Close ad

ذاكرة قيصر.. واحتفال ملك

17-5-2023 | 12:18
الأهرام العربي نقلاً عن

عنوان هذا المقال مستدعى من مقال قديم، كتبه الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل  تحت عنوان: «ذاكرة صحفي».. ردًا على كتاب «ذاكرة ملك»، مع اختلاف الأحداث والوقائع بين المقالين، وسبب الاستدعاء هو ما جرى بين موسكو ولندن في شهر مايو الجاري.

إنها 78 عامًا والذاكرة حاضرة، قبل هذه الأعوام  الطويلة كان «الحلفاء» يحتفلون معًا بذكرى النصر على النازية فى التاسع من مايو عام 1945، حين سقطت مدينة برلين الألمانية المتوجة بالنازية تحت ضربات الحلفاء، وزحف الجنود السوفيت الذين ضحوا بـ 27 مليون إنسان، غير ملايين الجرحى.

كان الاحتفال جماعيًا، تنتظم فيه أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا، وبلدان أوروبا الشرقية (السوفيتية)، وكانت ذروة الاحتفال الجماعى قد جرت عام 2010 فى الميدان الأحمر بموسكو، حين شارك حلف الناتو و(العالم الغربى الحر) بآلاف الجنود، وكانت مرة أولى وأخيرة.

جاء اليوم الذى تحتفل فيه روسيا وحدها بذكرى النصر فى الميدان الأحمر، بقلب العاصمة الروسية موسكو، ويلقى فيه القيصر الروسى فلاديمير بوتين خطابا موجها إلى الشعب الروسي، بينما تحتفل أوروبا بيوم أوروبا وليس ذكرى النصر.

فى خطاب هذا العام، عبر بوتين عن قناعته بأن الحرب فى أوكرانيا مستمرة، وأن معركته ليست استقلال روسيا وحدها، إنما هى ضد نزعة التفوق والتعالي، ومن أجل إنشاء نظام عالمى يقوم على العدالة، وتذكر «الاتحاد السوفيتي» السابق مرات ومرات، وردد مفردة الحرب والقتال كثيرا، وأنه لا بديل عن المعركة الوجودية، معبرًا عن رؤيته بأن الغرب وحلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية يريدان أن يفتتا الاتحاد الروسي، ويعملا على تسييد ثقافة واحدة هى الثقافة الغربية.

بوتين ردد أيضًا مفردة النازى والنازية مرات عديدة، محذرًا المنافسين من استنهاض هذه الفكرة المجنونة مرة أخرى، مؤكدًا أنها فكرة مهزومة، وستهزم فى معارك المستقبل.

خطاب بوتين، كأنه قادمًا توا من زمن الخمسينيات والستينيات، زمن الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وكأنه هو نفسه أحد أعضاء حركة عدم الانحياز، بينما يصطف ضده «العالم الذى يلقب نفسه بالحر».

قبل ثلاثة أيام من خطاب القيصر هذا، كانت المملكة المتحدة تحتفل بملك جديد، هو الملك تشارلز الثالث فى السادس من مايو، تستدعى ذاكرة ألف عام من الاحتفالات الملكية، كأنها رسالة رمزية بأن الإمبراطورية لا تزال، وأنها لا تغيب عنها الشمس، حيث شارك كثير من ملوك ورؤساء العالم فى تنصيب الملك، فى احتفال أشبه بألف ليلة وليلة، وتنافست فيه الصحافة العالمية على تغطية الحدث البريطاني.

تشارلز الثالث ليس ملك الإنجليز وحدهم، بل هو ملك  متوج على حوالى عشرين دولة ومملكة وإمارة وجزيرة، ومعظمها غير مشهور، تقع جميعها رمزيًا تحت طائلة التاج البريطاني، وتوجد فى الشرق والغرب والشمال والجنوب من الكرة الأرضية، وتحت رعاية الملك بالطبع، تنتظم كل الثقافات والأديان السماوية وغير السماوية فى هذه البلدان والجزر.

لا شك أن رسائل الاحتفال فى الميدان الأحمر بيوم النصر، والاحتفال فى المملكة المتحدة بتنصيب الملك، مكتوبة بخطوط متعارضة من حيث المعنى والهدف، فذاكرة القيصر متخمة بالأسئلة، وفى مقدمتها: كيف سيحافظ على الشعب الروسى وسط معركة ثقافية طاحنة، بينما احتفال الملك يتخيل سؤالا وجوديًا هو: كيف يصبح الملك المتوج على رقعة واسعة من البلدان والجزر؟ وكيف يستعيد هيبة الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس؟

كان الشاعر البريطانى روديارد كبلينج مصيبًا حين قال: «إن الشرق شرق.. والغرب غرب.. ولن يلتقيا».. وقديمًا قالت العرب: «كل يغني على ليلاه».

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
التجارة فى الحرب

من إبادة إلى أخرى، تتصاعد تجارة الحرب من قبل مقاوليها المعتمدين، تشجعها نخبة سياسية غربية، تبرر للجلاد، وتلوم الضحية، يرفضها رأى عام عالمى، ولا يؤخذ برأيه، رغم ادعاء الديمقراطية .

ترامب.. وأربعة أيام تغير العالم

من السادس إلى التاسع من يونيو 2024 ثلاثة أيام، يمكن أن نسميها أيام الحسم الغربى، خلالها جرت انتخابات البرلمان الأوروبى، صعدت فيها أحزاب اليمين، أو أحزاب

الأكثر قراءة