Close ad
15-5-2023 | 14:47

إن النفس البشرية مليئة بالاضطراب والتخيل.. وأن الكثيرين الذين يعيشون في أوهام إذا لم تنقذهم العناية الإلهية من أوهامهم ينحدر بهم الطريق إلى الجريمة والجنون.. هذا ما قاله المحلل النفسي والفيلسوف سيجموند فرويد، والحقيقة تعد هذه المقولة انعكاسًا واضحًا لواقع البعض في عصرنا الحديث. 

منذ بداية الألفية بدى حقل الطرب في مصر على مشارف الجفاف، وربما متأرجحًا بين التعطش لغيث جديد والارتواء من نهر القديم إلى أن صدحت حنجرة نسائية متفردة لا تشبه مثيلتها؛ لأنها خلطة محكمة الصنع ومزيج من القوة والشجن، وليس ناعمًا رقيقًا كمعظم النساء، وهزت وجداننا بالآهات حين شدت "آه ياليل"، وكأنها بمثابة مفتاح لبوابة القلوب الشجية، وبعدها آهة جديدة في "جرح تاني" إلا أنها تغلبت عليه في "بطمنك" وقررت بعدها "لازم أعيش"، وبزغ نجم الفتاة المصرية السمراء  شيرين عبدالوهاب، وتغلب سحر صوتها على تكوينها الأنثوي حتى أن الغالبية العظمى لم تلتفت إلا لعبقرية الصوت. 

جاءت عبقريتها من قوتها حين خرجت من سياق الأنثى المكلومة والنواح على فراق الحبيب، وكان اختيارها لكلمات أغانيها معززًا لتلك القوة مثل "إنت آخر واحد في الدنيا دي ممكن أبكي عليه" وإحقاقًا للحق فثوب الكبرياء الأنثوى هذا الذي قررت أن ترتديه جاء مناسبًا ومتسقًا مع ملامحها الحادة.
ثم غنت: "أنا كتير"
أنا ١٠٠٠ حاجة على بعضها
في حاجة واحدة
أنا واحدة عايشة لوحدها
ومش حاسة وِحدة
في ضحكي حزن غريب قوي
وفي حزنى ضحكة 

ومنذ ذلك التوقيت أصيبت شيرين بمشاعر اضطراب تتسق مع سمات برج الميزان الذي تنتسب إليه، فأصحاب هذا البرج يتأرجحون بين كفتي الميزان (الخير والشر) بحثًا عن المثالية المزعومة، كما صنعت لنفسها قناعًا منحوتًا بالتلقائية والفطرة التي يفوح بها طمي النيل، كل تلك الأسباب مجتمعة أوجدت لها مكانة كبيرة لدى السميعة في زمن تفشى فيه وباء مطربين "التيك أواي" والكلاشيهات المستهلكة.

ولا عجب في ذلك لأن التاريخ دائمًا ما يقسم على أن الموهبة الحقيقية أبقى وأن الإبداع غير مشروط، ولنا في كوكب الشرق "أم كلثوم" عبرة.
وفيما يبدو أن شيرين أثناء رحلتها للتحليق في سماء النجوم أصابها شيئًا من الجنون، حين تسلل لنفسها الإحساس بأنها "كتير" وتحول لسان حالها إلى فرس جامح بلا لجام فتكاثرت أخطاؤها وتفاقمت سقطاتها وكأنها تراهن على حب الناس ومكانتها عندهم.

وقد اقتدت بكلمات إحسان عبدالقدوس حين قال: لقد تعودنا التمتع بالأوهام كمدمني الحشيش! فتمتع بأوهامك.

وجاءت تصرفاتها أشبه بهذه الحالة المتخبطة إثر السقوط في بئر الأوهام أو الصعود على هضبة جنون العظمة "البارانويا" الذي يشير إلى الشعور بعدم الثقة أو الاضطهاد وأن الآخرين لديهم رغبة في إيذائك، وهو ما حدث مؤخرًا بينها وبين أسرتها وزوجها، وصرحت حينها أنهم يريدون النيل منها واستغلالها، ثم اضطرابات الشخصية الحدية؛ حيث يكون لديها تقلبات عاطفية سريعة تعشق شخصًا ما في لحظة واحدة وتكرهه في اللحظة التالية.

وهناك شعرة بين الثقة والكبرياء المبني على الموهبة والنجاح، وبين الغرور والبارانويا التي تطمس ملامح الشخصية وتحدث تآكلا في جدران الروح، ويتحول صاحبها لشخص مشوه كأن يحلق شعره ويزداد وزنه ويختل توازنه الإبداعي، وقد يصل بهم الحال إلى إدمان المخدرات، وربما الانتحار؛ مثلما حدث مع "ملك البوب" مايكل جاكسون، والمطربة الأمريكية الشهيرة "ويتني هيوستن" التي عاشت حياة تعيسة وتوفيت غارقة في حوض الاستحمام نتيجة جرعة زائدة من المخدرات.

ولا أعلم ما هو الرابط المشترك بين هؤلاء إلا حناجرهم الذهبية وبشرتهم السمراء، وربما الطفرة الطبقية التى نقلتهم من نشأتهم المتواضعة إلى بلورة النجومية السحرية بما تحويه من شهرة ومال ونفوذ! 

وما أعلمه جيدًا أن البقاء على القمة أصعب من الوصول إليها مهما كان ارتفاعها، والحفاظ على النجاح أصعب كثيرًا من تحقيقه.

ورغم المحاولات البائسة التى حاولت بها شيرين استعادة مكانتها إلا أنها صنعت حاجزًا زجاجيًا وضعها في عزلة عن الجمهور الذي أصيب بإحباطات متوالية؛ نتيجة أفعالها المتوالية، ولا أحد يعلم كيف لها أن تحطم هذا الحاجز، ولكن لا يأس مع الحياة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة