Close ad
13-5-2023 | 13:17

جاء انطلاق فعاليات الحوار الوطني بين كافة فئات وطوائف المجتمع المصري في مشهد فريد لم نره يتكرر كثيرًا؛ سواءً في مصر أو عالمنا العربي.. يحدث هذا الأمر بعد فترة إعداد وانتظار طويلة رغم ما تمر به مصر والمنطقة من أزمات، هناك جلسات ستأتي على مراحل وفترات متقاربة، وقد شهدت الجلسة الافتتاحية وما تلاها مداخلات عديدة ترسم مسارًا لهذا الحوار وتوضح خطوطه العريضة.. 

مشهد نادر وفريد

نعم أكاد أجزم أنه مشهد لم يسبق ولم يتكرر كثيرًا لا في مصر ولا في المنطقة العربية بأسرها منذ فترة طويلة. وربما منذ العصر الملكي في مصر حتى اليوم، لم يحدث أن جمعت جلسات الحوار الهادئ عددًا من الأضداد والفرقاء من الأحزاب والفئات والطوائف بكل اتجاهاتها من أقصى اليمين لأقصى اليسار؛ من أجل مناقشة مصير الأمة ومستقبلها، وأن يحدث هذا برعاية ودعوة من القيادة السياسية دون تدخل أو حجب أو تحكم، وإنما حرية تامة لطرح الرؤى والأفكار، وشفافية واضحة في عرض مجريات الحوار، ورقي في طريقة العرض والبث والإعلام..

القوى المدنية بكافة اتجاهاتها ورؤاها تجتمع لتتحدث وتتحاور وتعرض وجهات نظرها المتباينة من أجل الوصول لنقاط مشتركة تزيل كافة معوقات الحراك الاجتماعي والثقافي ومسارات العمل السياسي والتنموي، والتي نشأت من خلافات قديمة قائمة بين هذه القوى بعضها البعض، تلك القوى تجتمع في منأى عن أي نوع من التحكم أو التدخل من قبل الحكومة أو القيادة السياسية.

اللافت في هذا المشهد الفريد ما ترصده النظرة الأولى من اجتماع الأضداد واصطفاف الفرقاء في مشهد ينم عن التجرد والرغبة الحقيقية في تحقيق أهداف هذا الحوار الوطني؛ مهما كانت الخلافات بين الرؤى والآراء.. كما أن من الغريب أن نشهد إقامة فعاليات الحوار الوطني في أجواء عاصفة على حدودنا الجنوبية مع السودان؛ ففي اللحظة التي جلست فيها القوى المدنية في مصر تناقش هموم الأمة وتتحاور فيما بينها من أجل مستقبلها، كانت هناك جلسات أخرى تتم لمناقشة آليات معالجة ما يتعلق بأحداث السودان، ولعل أهمها قضية ضحايا الحرب الدائرة بين الأشقاء في السودان بعد أن تزايدت أعدادهم خلال الأيام الماضية.. إنك لو بحثت حولك في محيطنا العربي عن مثل هذا المشهد الراقي فلن تجد، ولا في تاريخ العمل السياسي والحزبي والاجتماعى، نعم نحن نتحدث ونتحاور كثيرًا، لكن الأمر هذه المرة مختلف، من حيث حجم الحضور والتنوع والأهداف.

مرحلة جديدة ورؤى متعددة

كانت هناك اجتماعات كثيرة سبقت انطلاق الحوار من أجل التحضير والإعداد لمحتواه وفئاته وأهدافه وفعالياته حتى وصل إلى نقطة التنفيذ والانطلاقة التي بدأت بجلسة افتتاحية قوية كان لها صدى إعلامي وإقليمي كبير، وتفاعلات الحوار ما زالت مستمرة، وهي مرشحة للازدياد والنمو مع كل جلسة قادمة..

خلال الفترة التحضيرية طلب الكثيرون على مستوى الأفراد من الشخصيات العامة والخبراء والقوى السياسية والنقابية والحزبية حضور فعاليات الحوار؛ مما أكد وجود الرغبة الحثيثة لدى الجميع في الاصطفاف وبذل الجهد ونبذ الخلاف؛ من أجل تغليب مصلحة الوطن على أية خلافات شخصية أو فكرية أو طائفية.. ولهذا لم يكن هناك منع أو رفض لأحد.. ففي قاعة المؤتمرات بأرض المعارض، تلك القاعة الواسعة الرحبة جلس الجميع يستمع ويتحدث في حرية مطلقة، والذين كانوا بالأمس فرقاء في الرياضة أو الفن أو العمل السياسي، جلس كل منهم إلى جوار الآخر في تجرد تام لا يبغي إلا مصلحة الوطن فحسب، هكذا جاءت فعاليات الجلسة الافتتاحية هادئة قوية شفافة تنعم بالحرية والتجرد ويتم بثها كاملة دون حذف أو تدخل أو حجب أو منع لهذا الرأي أو ذاك، كأنها بوتقة يتم فيها إلقاء كل ما في الجعبة من رؤى مهما كانت متناقضة، ونقطة التقاء لكافة الآراء مهما تباينت من أقصى اليمين لأقصى اليسار، فلا تستغرب إذا رأيت الليبرالي إلى جانب اليساري، والرياضة إلى جانب السياسة إلى جانب الفن.. فالجميع تجردوا من الأهواء الشخصية وأبقوا نصب أعينهم هموم الوطن ومصالحه..

في القاعة الواسعة جلس رجال الدولة إلى جوار السياسيين والإعلاميين والنقابيين، وجلس شباب الأحزاب مع أعضاء البرلمان إلى جوار أعضاء منظمات المجتمع المدني ولجان العفو الرئاسي، وجلس الخبراء إلى جوار رؤساء الجامعات والمراكز البحثية ومقدمي مقترحات الحوار الوطنى.. كل هؤلاء وعلى رأسهم أعضاء مجلس أمناء الحوار الوطني، ليخرج الحوار بأبهى وأرقى شكل ممكن وأعلى صورة تنظيمية ممكنة، والأهم أن ينعكس هذا الشكل التنظيمي المبهر على جوهر الحوار ومحتواه الذي هو في الحقيقة الهدف من هذا الاجتماع الحاشد من أجل حوار يصب في صالح الوطن والمواطنين..

جوهر الحوار وأهدافه 

يمكننا أن نستشف جوهر الحوار من تصريح للمنسق العام للحوار الوطني (ضياء رشوان) أكد فيه أن هذا الحوار يمثل استمرارًا لتأكيد حق الرأي العام في المعرفة والمتابعة الفورية والشفافة لمجريات الحوار الوطني، مشيرًا إلى أهمية طرح واحترام كل الآراء، وضرورة النقل الإعلامي لكافة تفاصيل الجلسات الحوارية، وهو ما بدا خلال الجلسة الافتتاحية التي خلت من أي احتكاك أو شحناء بين الحضور..

لقد أكد ضياء رشوان عدة نقاط رسم من خلالها الخطوط العريضة لمجريات الحوار وأوضح ما به من تنوع في الآراء والمنطلقات قائلا: "إنه لا توجد قوى سياسية واحدة ولا نقابة مهنية أو عمالية واحدة أو جمعية أهلية أو تيار شبابي أو حزب لم يشارك في الحوار داخل مصر، فلا يوجد فرد واحد داخل هذه التيارات أعلن رفضه للحوار"، كما أكد أن كل القضايا مطروحة بأوزان مختلفة، فعين الديمقراطية أن نتشارك معا لاختيار بدائلنا، ولا استبعاد لأي قضية، ولا خط أحمر واحد على أي نوع من الطروحات إلا ما يقتضيه الدستور والقانون، فلكل منا أن يقول ما يرى.

أهداف الحوار الوطني كانت واضحة منذ البداية وقد تجلت في الحرص على دعوة أطياف المجتمع كلها للتحاور والجلوس على مائدة واحدة جامعة، والهدف هو دعم جهود التوافق من خلال بناء جسور الثقة والاحترام المتبادل بين مختلف الأطياف والفئات..

لهذا جاءت مبادئ ومحددات الحوار الوطني شفافة وواضحة وأهمها: تحديد أولويات العمل الوطني في المرحلة المقبلة، وهو ما يعني التركيز على قضايا بعينها تمثل أولوية قصوى لكافة مستويات العمل الوطنى.. ثم الوصول لصيغة تنفيذية لتحقيق مقترحات الخبراء بشكل عاجل ومكثف.. وفي ثنايا هذا الحوار الممتد سيتم الكشف عن كوادر مؤهلة للمشاركة في تحقيق أهداف الحوار في النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. أما ثمرة هذا كله فإنها تتبلور في محصلة نهائية واحدة وهي ضمان حياة كريمة تليق بالمواطن المصري والتي تمثل أهم مخرجات الحوار الوطني القائم..

أقلام ودروع

تلك الواجهة الحوارية التي لا غنى عنها لنبذ أية خلافات، وللوصول إلى رؤى مشتركة، ولتحديد أولويات العمل الوطني ليست إلا بداية لمرحلة جديدة فيها انطلاقة ودفعة للأمام.. وهي تمثل حصيلة تفاعل القوى المدنية وتعاطيها مع مساحات الحرية المنضبطة المنظمة ذات الأهداف المتجردة، وفي خلفية ذلك العمل الوطني الجامع لمختلف القوى المدنية.. هناك عيون ساهرة ترصد الحدود وتراقب التغيرات الحادة والتفاعلات الدولية العاصفة، من أجل أن ينعم المواطن المصري بالأمن والرفاهية مهما تكلف الأمر من مشقة وجهد وعمل متجرد خالٍ من الأهواء والمطامع الشخصية..

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة