Close ad

"كوب 28" يقترب.. ماذا ستقدم الإمارات لتغطية "مدخنة العالم"

8-5-2023 | 12:56

تخيلوا شخصا عاش لسنوات في منزله، وهو يرمي بنفاياته من نافذته نحو حديقته الخلفية غير عابئ بها؛ لأنه لا يخرج إلى تلك الحديقة ولا يستخدمها، حتى فاحت رائحتها وانطلقت نحوه ونحو جيرانه.

هكذا عاش العالم لعقود منذ بداية الثورة الصناعية وطفرتها ووفرتها وسحرها المادي الذي سيطر على الألباب ودفع بالصناعة إلى ذروتها غير مدرك ولا عابئ بالنتائج التي ستؤدي إليها مداخن تلك المصانع والأثر الذي يمكن أن تحدثه في العالم.

وهكذا، وبحلول عام 1995 بدأت البلدان المتقدمة مفاوضات من أجل تعزيز الاستجابة العالمية لتغير المناخ، فاستفاق الغرب من ثباته الطويل، قارعا جرس الإنذار بعد أن امتلأت السموات بانبعاثات الكربون، والبحار والصحاري بنفايات غير قابلة للتحلل، فانعكس ذلك على صحة البشر والحيوان والنبات والهواء، وبدأت الأمراض تدب، والصحة العامة تتراجع والأوبئة تنتشر وتتفاقم. 

وانتهت المسيرة بعد عقد من المفاوضات واللقاءات والسجالات باتفاق باريس عام 2015، الذي وصف بالتاريخي لمواجهة تغير المناخ وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لصناعة مستقبل مستدام للبشرية بهدف الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية والحد من زيادة درجة الحرارة العالمية في هذا القرن إلى درجتين مئويتين مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى 1.5 درجة.

ومنذ ذلك الوقت، أحدث الاتفاق سجالا عالميا، اقتصاديا وأخلاقيا، كانت الولايات المتحدة في عهد ترامب أحد أركانه بعد إعلانها الانسحاب منه، وقبل أن يعلن خلفه بايدن عودة واشنطن رسميا للاتفاق، الانسحاب الذي أدى على مدار السنوات الأربع التي أعقبته إلى إحداث فجوة وإلى حلقة مفقودة أضعفت الجميع.

وكان من أهم بنود اتفاق باريس، توفير مساعدات مالية من الدول المتقدمة بقيمة 100 مليار دولار أمريكي، إلى الدول النامية للتخفيف من حدة التغير المناخي، ورفع مستوى طموح الدول بشأن المناخ بمرور الوقت، ولذلك نصت اتفاقية باريس على إجراء عمليتي مراجعة، كل واحدة على مدى 5 سنوات.
فماذا حصل منذ ثلاثة عقود من انطلاق مفاوضات تعزيز التغير المناخي، وهل أنجز اتفاق باريس أي نتائج على الأرض؟

خلص موقع الطاقة المتخصص، إلى ثمانية أسباب اعتبرها الخبراء سببا رئيسيا لإخفاق التقدم في قضية التغير المناخي، أهمها عجز العالم في صعوبة فصل النمو الاقتصادي عن الانبعاثات، بسبب العلاقة العكسية الوثيقة التي نشأت بين تقدم البشرية وجودة البيئة.

يضاف إليها الإخفاق في تصدي المجموعات البشرية للمخاطر، والفشل في حل مشكلة "العمل الجماعي"، والدخول في المفاوضات متعددة الأطراف معوقة لاتخاذ قرارات راشدة، وسط غياب القيادة القوية، والأقوال غير المقترنة بالأفعال، إضافة إلى التناقض الحاصل بين متطلبات الحكومات والفطرة البشرية.

وشهد مؤتمر الأطراف حول المناخ (COP27) العام الفائت انقسامات بين الدول الغنية المسئولة عن الاحترار والدول الفقيرة المطالبة بمساعدات لمواجهته، إذ يتوقع المحللون أن تواجه إفريقيا زيادات كارثية في درجات الحرارة تصل إلى 3 درجات مئوية بحلول عام 2050، إذا لم يتحقق هدف الحدّ من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. حسب موقع الطاقة.

ويمكن للدول الإفريقية الاستفادة من البند الفرعي من المادة 6 من اتفاقية باريس للمناخ الذي يسمح للبلدان ذات الانبعاثات العالية، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بتعويضها من خلال الاستثمار في مبادرات مستدامة.

وحسب تقارير، فإن تداعيات تغير المناخ في إفريقيا تتمثل في تعرضها لمخاطر التأثير على الموارد المائية، وتفاقم ظاهرة النزوح الداخلي، وتزايد الاحتقان بين الرعاة والمزارعين على خطوط السافانا، ليصل إلى صراعات مسلحة في بلدان مثل السودان ونيجيريا ومالي.

وبعد سنوات الجدال والخلاف والإخفاقات ومع الآمال والتطلعات، يصل قطار التغير المناخي إلى محطته الجديدة في الإمارات التي تستضيف نسخة كوب 28، الدولة التي تعد من أكثر النشطاء في مجال البيئة والمناخ ومجالات الطاقة النظيفة، فماذا ستقدم؟

كنت قد أشرت في مقال سابق في صميم الموضوع، أننا في المنطقة العربية ربما لا نعيش هاجس وخزي تلويث البيئة مثل الغرب، فلا تزال أراضينا نظيفة وسماواتنا صافية وبحارنا نقية، وإنساننا غير جشع ولا يمارس أيا من أنواع الجَور الذي ينتهك الطبيعة، لأنه لم يولد وسط المصانع ومداخنها وما ترمي به من نفايات في البحار، وما تدفنه من مخلفات في الصحارى.

واليوم، إذا تستضيف الإمارات المناسبة التي يترقبها العالم، فإنها تمضي وهي مسلحة بكفاءة عالية وخبرة استثنائية في هذا الملف، أولها، تعيين رجل الطاقة المعروف دوليا الدكتور سلطان الجابر على رأس قمة كوب 28 ليترجم جهود الإمارات ويعبر بالعالم نحو الأمام في هذا الملف الشائك، الذي يعد من أبرز خبرائه والعاملين فيه دوليا، من خلال تمثيله لبلاده في هذا المجال منذ مؤتمر باريس 2015، فضلا عن خبرته الطويلة في مجال الإدارة والاقتصاد وفي قطاع الطاقة التقليدية والمتجددة حيث قام بدورٍ محوري في تنمية محفظة أصول الطاقة المتجددة لدولة الإمارات وتطويرها وتوسعتها داخلياً وخارجياً.

ثانيا تحتل الإمارات مرتبة متقدمة ضمن أكبر دول العالم استثمارا في مشاريع الطاقة النظيفة، واستثمرت نحو 600 مليار درهم في هذا المجال حتى عام 2050، ويمول صندوق أبوظبي للتنمية أكثر من 75 مشروعاً إستراتيجياً في العديد من دول العالم بقيمة تجاوزت 4 مليارات درهم، فيما تنتشر مشاريع محفظة مصدر في أكثر من 40 دولة حول العالم بقيمة إجمالية تجاوزت 30 مليار دولار.

ويبدو أن الإمارات عازمة على دخول التحدي، "انطلاقاً من التزامها بالعمل المناخي العالمي وما يمثله المؤتمر من محطة مهمة فيه، خاصةً أنه سيشهد أول حصيلة عالمية لتقييم التقدم المحرز في تنفيذ أهداف اتفاق باريس".

وخلال "حوار بيترسبرج للمناخ" الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين، مطلع مايو الجاري أكد سلطان الجابر سعي بلاده إلى المساهمة في تحقيق الطموحات المناخية العالمية من خلال مؤتمر الأطراف COP28، في وقت يعتبر العالم فيه بعيدا عن المسار الصحيح، مؤكدا أن العالم أمامه سبع سنوات فقط للحفاظ على طموحات وأهداف اتفاق باريس.

وبدأ خطاب الجابر شفافا وواضحا بسبب حساسية هذا الملف وتوقيته، وأهمية الصراحة فيه، فأكد أن الطموحات المناخية عالية ومستوى الثقة منخفض، "لذلك، نحتاج إلى أن نضمن تحقيق انتقال منصف ومنطقي وعملي وتدريجي وعادل في قطاع الطاقة، على نحو لا يترك أحداً خلف الركب".

وأشار الجابر إلى حقيقة أن العالم لا يمكنه التخلي عن منظومة الطاقة الحالية قبل تطوير المنظومة المستقبلية، مع تأكيد أن ضمان المصداقية السياسية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، يتطلب أن تفي الجهات المانحة بالتزامها بتوفير مبلغ 100 مليار دولار الذي تأخر تنفيذه كثيراً، وذلك قبل انطلاق مؤتمر الأطراف COP28.

ومن خلال ما سبق ينتظر أن يكون COP28 الذي تستضيفه الإمارات حسب د. الجابر "فرصةً لإيجاد حلول طبيعية مبتكرة، بما يشمل حماية مخازن الكربون الطبيعية، وضمان التنوع البيولوجي، والحفاظ على النظم البيئية الطبيعية، فالعالم يطمح لتحقيق تقدم جذري واتخاذ خطوات نوعية في العمل المناخي.. وعلينا العمل معاً لتقديم أجندة طموحة وخطة عملية تستجيب للحصيلة العالمية لتقييم التقدم في اتفاق باريس".

ومن خلال موقفها الإيجابي من قضية المناخ، وعملها واستثماراتها، وعلاقاتها الوطيدة مع الفرقاء في العالم شرقا وغربا، يراهن الخبراء على دور الإمارات في مؤتمر كوب 28 في تقريب وجهات النظر، وتذليل العقبات والدفع بمسار الإصلاح قدما، وجمع العالم على كلمة سواء لمواجهة أكبر خطر يواجه الكوكب الأزرق ويهدد التنمية البشرية واستقرار المجتمعات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: