Close ad
7-5-2023 | 15:30
الأهرام المسائي نقلاً عن

(أرأيت.. هل اقتنعت!!)، قالت سيدة فاضلة معقبة على مقال لي سبق نشره في ذات الزاوية تحت عنوان "الرواية التاريخية والسيدتان راء"، ثم أردفت بنبرة تحدٍ، (الرواية التاريخية حكرٌ على المرأة!!.. باعترافك أنت.. وقلمك أنت!!).

ابتسم الكاتب وعقب في مودة؛ ما للمقال والصراع المفتعل بين الرجل والمرأة. ندعيه حينًا، ونخترعه حينًا آخر دونما سبب...

كان المقال نافذةً تطل على فضاءات كتابات سيدتين متخصصتين في الأدب الإنجليزي؛ رضوى عاشور وريم بسيوني، أبدعتا في فرع الرواية التاريخية. مجال سبق إليه جورجي زيدان (1861 – 1914) بأكثر من عشرين رواية تجولت في عصور المماليك بمصر، والعرب بالأندلس، والخلفاء الراشدين، وصولاً إلى العرب في أوروبا، وإن شابها تحسس فترات الصراع والخلاف بدا معها التاريخ العربي سلسلة متعاقبة من صراعات لا تنتهي.

ثم جاءت روايات علي الجارم (1881 – 1949)، فقيه اللغة، العالم بأسرار النحو والبلاغة، فكتب عن العرب في الأندلس؛ مرح الوليد، شاعر وملك، هاتف من الأندلس، وغيرها من روايات وتراجم.

ولا يكاد كاتب مصري عاصر القرن الماضي إلا وله في ذلك الأمر شأن، عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين (1889- 1973)، وكتاباته عن الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ثم الفتنة الكبرى، ومن قبلهما على هامش السيرة. والأستاذ العقاد (1889 – 1964) وعبقرياته الفذة، وتراجمه لشخصيات تاريخية عربية ودولية.

كذلك تنوعت معالجات علي أحمد باكثير (1910 – 1969) بين المسرح والرواية. فضلاً عن كتابات بنت الشاطئ (1913 – 1998) عن سيدات بيت النبوة، وغيرها. والأستاذ خالد محمد خالد (1920 – 1996) بكتاباته عن الخلفاء الراشدين ورجال حول الرسول.

إذًا، ليست الكتابة التاريخية بالعمل الجديد، بل لعلها الأقدم بالسرد الشفاهي الـمُغَنَى -قبل ابتكار شكل الرواية- بحكايات التراث الشعبي على لسان مغني الربابة عن أبي زيد الهلالي، وعلي الزيبق، وشفيقة ومتولى، وحسن ونعيمة، وأدهم الشرقاوي، والشاطر حسن.

إنما الجديد تطور المعالجات وشكل سرد اصطنع معه الكاتب حوارًا أو اخترع شخصية –دون إخلال أدبي- كما فعلت ريم بسيوني مع (بـِحنِس)، ساحرة الهرم، الممتدة من رواية القطائع وتاريخ أحمد بن طولون (835 - 884)، إلى أولاد الناس ومقتل السلطان طومان باي (1517).

أو في خطين زمنيين مُتباعدين مرتبطين في الوقائع، كما فعل الكاتب السعودي محمد حسن علوان في رائعته (موتٌ صغير) عن محي الدين بن عربي، والتركية إليف شافاق في (قواعد العشق الأربعون) عن شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي.

ثم سأل الكاتب نفسه (كيف قرأت السيدة المقال، وكيف بنت تصورها عن الكاتب)، في وقت لا يذكر فيه أنه نال من قدر المرأة عامة، والأديبات منهن خاصة، بل كثيرًا ما أشار إلى كاتبات فُضليات؛ الفلسطينية نبال قُندس، والأمريكية ذات الأصول اللبنانية جنيف عبده، والصحفية الألمانية باربرا شوماخر، المولعة بالمنطقة العربية، والعُمانية جوخه الحارثي صاحبة رواية سيدات القمر، فضلاً عن سناء البيسي بقصصها القصيرة وكُتبها ومقالاتها في جريدة الأهرام.

لم يكن القرار ما يشغل كاتبنا، إنما منهجية اتخاذه. فإن تأسس على أركان متينة جامعة حالفه الصواب، أما إن خالطه غموض وقفزٌ على الحقائق فتوقع ما لا يخطر على بال.

ولكم أَسِفَ الكاتب لمن يضع النتيجة ثم يبحث في القرائن عما يؤيدها، فإن وجد ما ينقُضها أنكرها وتجاهلها، وإن وجد ما يشير إليها ولو بشكل مُلتبس أَثبَتهُ واستكمله بخياله، فيُصدِق ما ظن وينكر ما لمس وما رأى.

ومع هذا، ومن زاوية العشم في حسن ظن بعض القراء، يواصل الكاتب كتاباته.
كلمات البحث