Close ad

أولادنا وبناتنا والبلطجة

6-5-2023 | 08:45

تزايدت شكاوى الأمهات والآباء من سوء تصرفات البنات والأولاد "وتعمد" الكثيرون منهم سوء التعامل مع الأهل والرد بحدة وبكلمات غير لائقة، ورفض محاولات الأهل لتعليمهم الصفات الجيدة ومنعهم من كل ما "يخصم" منهم دينيًا ودنيويًا..

المؤلم ليس كثرة الشكاوى؛ بل التعامل معها كواقع يجب تقبله، والأسوأ قول البعض إن البنات والأولاد أولاد جيلهم؛ الذي يفرض عليهم التعامل ببعض من البلطجة حتى يستطيعوا التعامل مع المضايقات ممن يصادفونهم في حياتهم
يتناسى من يختارون تبرير سوء تصرف الأبناء والبنات مع الأهل أننا إذا سمحنا لهم بالبلطجة معنا فسيتمادون؛ فالنار إن لم نسارع إلى إطفائها فستنتشر وتستفحل، ولا يوجد نار أسوأ من بلطجة الأبناء على أهلهم وكيف لا؟؛ وهم الذين يحتضونهم بكل الحب ويبذلون أقصى ما يمكن لإسعادهم، ويضحون من أجلهم بالجهد والعمر والمال؛ ليوفروا لهم ما استطاعوا من وسائل الحياة السعيدة..

فهل نقبل منهم البلطجة؟ وأي صحة نفسية نتوقعها منهم؟ وأي تشجيع على العقوق نغرسه في عقولهم وقلوبهم؟ وهل يحق لنا توقع غير العقوق بدرجاته وأنواعه منهم، ونحن من وافقنا على سوء معاملتهم لنا وهم صغار؟ والبعض يضحك على ضرب الطفل لأمه أو لأبيه ولا نرى ما يُضحك في ذلك، بل يجب منعه بحزم، وإلا فلا يلومن الأهل إلا أنفسهم.

أما عن الحجة الغريبة بأنهم سيحتاجون إلى بعض العنف أو البلطجة للتعامل مع أقرانهم؛ فالرد المنطقي سيجدون من أسوأ منهم وسيعرضون أنفسهم للأذى أو سيخضعون للأقوى.

ونكاد نسمع من يعترض: وهل نربيهم على الضعف؟ ونرد بكل الود والاحترام: ومن يزعم أن التربية المحترمة تزرع الضعف؟ فلنهتم بتربية الأبناء والبنات على التعامل الطيب واللطيف معنا دائما ومع الناس مع عدم المبالغة؛ حتى لا يبدو وكأنهم ضعاف أو لديهم مشكلة في تقبل الأخرين لهم، ونعلمهم "الحذر" عند التعارف مع الآخرين والتدرج بمنح الثقة ومهارات الردع وإيقاف الإساءة عند "بدايتها"، وتجنب كلمات مثل: (لماذا تفعلون ذلك بي؟ أو أنا لا أستحق منكم ذلك، أو كلنا إخوة وأصدقاء)، فكل ذلك يحرض المعتدين على التمادي وعلى السخرية، وأيضًا على التنمر.

لا نوصي بالاعتماد على الأهل لفض المنازعات؛ والأفضل "تقوية" الأبناء والبنات وتعويدهم على رفض دور الضحية والتعامل بقوة وبحزم حتى لو قاموا "بتمثيلها" في بادئ الأمر والتأكيد أن من يقوم بمضايقتهم لن يتمادى إلا إذا "رأى" منهم الخوف.

القول بأن الحياة لا تحترم إلا الأقوياء قول صحيح جدا؛ ولكن يجب توضيح القوة "الحقيقية" والنظيفة أيضًا، فهي التي ترفض استخدام الكلمات المسيئة ولا تعتدي على حقوق الغير وترفض "بحزم" أي اعتداء على حقوقها ولا تواجهه بالبكاء ولا بالصراخ..

فكلاهما يدل على الضعف "ويساعد" المعتدي على التمادي، والقوة تكمن في الاستعانة بالخالق عز وجل، واليقين التام بأنه سبحانه وتعالى لن يرده خائبًا أبدًا متى استعان به "وحده" بصدق، وأخذ بكل الأسباب وثابر ليكون مؤمنًا قويًا وتنفس "العزة" والثقة بالنفس، وعمل على تقوية نفسه نفسيًا وجسديًا ومضاعفة مهاراته بالحياة..
ولم يكتف بالنجاح الدراسي وبالعمل وهو مطلوب بالطبع، ولكنه ليس كافيًا ولابد من استكماله بباقي النجاحات؛ ومنها احترام نفسه ومنع أي إساءة لها وتعويد الآخرين على معاملته باحترام؛ ومنعهم من شتمه أو شتم أسرته كما يفعل مع الأسف البعض من الجنسين من قبيل المزاح ومجاراة العصر، والقوي "يختار" من الشائع في عصره ما يلائم احترامه لنفسه ولا يكون "كأسفنج" يمتص كل شيء بما فيها الشوائب والمواد غير النظيفة والتي تلوث شخصيته وتسحب من تقديره الإيجابي والذكي لنفسه ولو بعد حين.

نطرح سؤالًا بالغ الأهمية لكل من "يقبل" بسوء تعامل الصغار مع الأهل، كيف تتوقعون النجاح في التربية بدون احترام الصغار والكبار أيضًا للأهل؟ هل يمكن أن يستمعوا جيدًا لنصائح الأهل؟ هل سيرغبون في الطاعة والالتزام بتعليمات الأهل "خاصة" عند ابتعادهم عنهم هل سيقدرون ما يبذله الأهل من أجلهم؟ أم سيعتبرونه حقًا لهم لا يبنغي عليهم شكر الأهل عليه؟ وبالمقابل لا يرون أية حقوق للأهل عليهم، ثم كيف تتوقعون أن يرضى الرحمن عمن يسيء "عمدًا" لأهله؟ وكيف "تنتظرون" أن يوفقه الله في حياته، والعقوق من الكبائر التي يعاقب الله مرتكبها في الدنيا قبل الأخرة؟ هل ترون أنكم تحبون أولادكم وبناتكم بالسماح لهم بالإساءة إليكم؟! وهل تتوقعون أن يتقبل الآخرون منهم هذه المعاملة المسيئة أم سيردون بالأسوأ أم تعلمونهم "الجبن" أمام الأخرين والتعامل المسيء معكم؟.
البلطجة هي الاعتداء بلا مبرر على الغير وفعل ما يرفضه القانون والعرف؛ ولا شك أننا مطالبون بحماية بناتنا وأولادنا من "أنفسنا" وليس من الآخرين فقط؛ فمن يحب ويحمي من يعول عليه التنبه "وتدريبه" على حسن التعامل مع الأهل ومع الكبار ورفض أي إساءة لفظية أو جسدية وإن "تحايل" بالزعم أنها من المزاح؛ فالمزاح لابد أن يكون باحترام للأهل وإلا أصبح إساءة "مغلفة" بالخبث ومن حق بناتنا وأولادنا "ردعهم" ومنعم من ذلك بحزم وبلا تراجع؛ وتذكير النفس بقول الشاعر
فقسا ليزدجر ومن يكُ حازمًا
فليقسُ أحيانا على من يرحم
فمن الرحمة ببناتنا وأولادنا أن نصر على تعليمهم  الأدب ومنعهم من الاقتراب من حدود البلطجة؛ ليتمكنوا من الاستمتاع بنفسية سوية لا تحقق إشباعًا مشوهًا لتحقيق الذات وتستطيع ردع من يتطاول عليها بقوة حقيقية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة