Close ad
1-5-2023 | 17:38

بنظرة فاحصة مدققة في مسارات واتجاهات العلاقات المصرية اليابانية لن يشق عليك التوصل الى حقيقة وواقع اتصافها بعدد من السمات الإيجابية التي تجعلها دائما في مكانة مرموقة ومتميزة، وقابلة للتطور المستمر بفضل خلوها من "الشوائب الضارة" التي تقلص مساحات التفاهم والتناغم والتشاور المتبادل فيما يخص القضايا ذات الأبعاد الثنائية والإقليمية والدولية، وهو ما يكسبها مرونة فائقة تمكنها من التواكب المتواصل مع ما يستجد من أزمات ومنغصات دولية تحتاج لتعاونهما، بهدف تسويتها، وتجنيب العالم ويلاتها وشرورها.

لذلك حينما ذكر رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، عشية بدء زيارته للقاهرة أن بلاده كانت، وستظل تقف إلى جانب مصر من خلال القطاعين العام والخاص، ولديها استعداد تام للتغلب معها على أى صعوبات، من أجل ازدهار مصر على مدى الـ 100 عام القادمة، فإنه قدم ملخصًا وافيًا لما آلت إليه علاقات البلدين من رسوخ وثبات، وأنهما يتحدثان لغة واحدة يفهمها جيدًا الطرفان.
موقف كيشيدا ليس له صلة بالمجاملات الدبلوماسية المنمقة المألوفة في العلاقات الدولية، وما تحمله من عبارات المديح والثناء الشكلية، لأنه ينبع بالأساس من قناعة يابانية بأهمية العلاقات المصرية اليابانية، وأن القاهرة تمثل بوابة دخولها للقارة الإفريقية، وانخراطها في المساعى المبذولة لإيجاد حلول سلمية عبر التفاوض  للأزمة الفلسطينية وأخواتها، وتتفق مع الجانب المصرى، من بين أمور كثيرة، على أن الحوار كفيل بإنهاء الأزمات، مهما كانت حدتها وتعقيداتها وتشابكاتها، وأن السلاح والعنف لن يقودا إلا إلى طريق مسدود، وأن طرفيي الصراع سوف يخسران لا محالة، إن قررا مواصلة احتكامهما للبندقية والرصاص.

ويرى كيشيدا أن الدور السياسى لليابان بالشرق الأوسط يلزمه مؤازرة وتنسيق دائم مع مصر بحكم ثقلها وتاريخها المؤثر على المنطقة، ويمتد منها لإفريقيا كذلك، حيث تسعى طوكيو لزيادة وجودها السياسى والاقتصادي والاستثمارى هناك، بغية منافسة التنين الصينى الذى بات له نفوذ طاغ في القارة السمراء، وذلك في إطار التنافس الشديد بين طوكيو وبكين في آسيا وخارجها على مواضع النفوذ والسيطرة.

وفى العام الماضى، أعلنت الحكومة اليابانية تخصيص ٣٠ مليار دولار لمشروعات تنموية في إفريقيا خلال السنوات الثلاث المقبلة، إضافة إلى تقديم ١٣٠ مليون دولار لمشروعات الأمن الغذائي، ومساعدات غذائية قدرها ٣٠٠ مليون دولار بالتعاون مع البنك الإفريقي للتنمية، كما خصصت أربعة مليارات دولار لمشروعات النمو والاقتصاد الأخضر والقضاء على التلوث الكربونى.

التوجه الإفريقي الياباني المتزايد يرتبط بتحولات تاريخية في التفكير الجيوستراتيجي والعسكرى والأمنى للساموراى الياباني الطامح لدور دولى مغاير لأدوارها السابقة، ومن بين المحاور التي تعمل عليها اكتساب النفوذ بالتدريج في مناطق العالم المختلفة، وفى مقدمتها إفريقيا.

أيضا فإن اليابان تنظر بعين التقدير والاحترام البالغ إلى التجربة التنموية المصرية على مدار السنوات العشر الماضية، وتؤمن بأنها أتاحت فرصًا استثمارية واعدة لا تود التخلف عن اقتناصها والاستفادة منها، مثلما تقدر القاهرة تجربة التنمية اليابانية الرائدة، وتستلهم منها ما يدعم جهودها للبناء الاقتصادى وتوسيع رقعة الاستثمارات الأجنبية، وبالمعيار الاقتصادى فإن السوق المصرى من بين الأسواق المهمة والحيوية للحركة التجارية اليابانية ـ حجم التبادل التجارى المصرى الياباني يبلغ حاليا ١،٤٤ مليار دولار ـ، وتسعى لتعزيز وجود منتجاتها وشركاتها فيه ـ نحو ٨٧ شركة يابانية تستثمر بمصر.

وتعد الطاقة على وجه العموم من بين القطاعات التي توليها اليابان أولوية متقدمة على أجندة أولوياتها الآنية والمستقبلية، فهى ثالثة أكبر قوة اقتصادية عالميًا، وتعلم أن تأمين مصادر الطاقة مسألة حيوية ومصيرية لبقائها قوية، وتعتبر مصر صاحبة إنجاز في هذا المجال الحيوى، ويهمها مشاركتها للحدود القصوى، لا سيما وأن القاهرة وسعت دائرة تنسيقها مع قوى إقليمية لتحقيق مصالح الجميع بشأن الطاقة.

وعلى وجه الخصوص، فإن طوكيو تتابع عن كثب النشاط المصرى المكثف المرتبط بالطاقة النظيفة وتنويع مصادرها، وتراه من ضروريات المستقبل، واستعدادًا لنضوب النفط، ولديها رغبة في توجيه شريحة كبيرة من استثماراتها بمصر ناحيتها.

وأختم بعبارة لكيشيدا توضح جليا إلى أين وصلت العلاقات المصرية اليابانية، وآفاقها المستقبلية، حيث قال: "بناءً على علاقات الثقة القوية التى نمت وترعرعت على مدى سنوات من العلاقات الودية، حان الآن الوقت الذى يمضى فيه البلدان قدمًا كشريكين إستراتيجيين والعمل معا من أجل السلام والازدهار فى الشرق الأوسط وإفريقيا، ومنِ ثم العالم أجمع"، مؤكدًا أنه سيقوم بتعزيز العلاقات الثنائية فى مجالات متعددة، بما فى ذلك السياسية والأمنية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والرياضية وغيرها.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة