Close ad

قراءة في أسئلة التاريخ العربي

30-4-2023 | 16:25
الأهرام المسائي نقلاً عن

يرجع لعلامات الاستفهام الفضل في كل تقدم، طرح سؤال يعني أن هناك شيئًا غامضًا يحتاج إلى تفسير. وبعد كدٍ، تأتي الإجابة كومضة برق تكشف جانبًا صغيرًا من المعرفة ومساحات أكبر من الأمية، فتتداعى الأسئلة من جديد.

تتكاثر الأسئلة وتنمو في المناخات الصحية وتُسهم إجاباتها في تصويب المسارات. وما جلسات العصف الذهني إلا صوبة لاستنبات بذور الأسئلة والأفكار. عدا ذلك تتحقق مقولة الشاعر محمد سليمان؛ (هل كنت قزمًا.. أم بلادي صنعت مني فأرًا.. صالحًا للحجر.. ميالاً إلى العتمة!).

من زهور أسئلة المفكرين والعلماء أمثال المعري، البيروني، ابن الهيثم، ابن رشد، ابن سينا، إسحق نيوتن، قفزت البشرية للأمام. ومن تفجيرات أسئلة هولاكو، وستالين، وموسيليني، وهتلر، عم الدمار والخراب العالم.

في المناخات القَبَلية تتوارث الأجيال العصبيات والثارات، ولا تجد الكثير من علامات الاستفهام إجابة؛ (أَكُلَيبُ مَن يَحمي العَشيرةَ كُلَّها)، أنشد عُدي بن ربيعة التغلبي متسائلاً بعد مقتل أخيه كُليب على يد قبيلة بكر خلال حرب البسوس؛ أكثر من أربعة عقود من القتل والحرق بسبب ناقة!.

وبعد ألف عام، وفي مشهد مُشابه، طرح نزار قباني (1923-1998) سؤالاً عن سُبل الهرب من لعنة الحروب الذاتية؛ (إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عربٌ.. ويأكل لحمنا عربٌ ..ويبقر بطننا عربٌ ..ويفتح قبرنا عربٌ ..فكيف نفر من هذا القضاء؟). ثم لم يلبث أن قرر في ذروة يأسه (لن أقرأ التاريخ بعد اليوم.. إن أصابعي اشتعلت.. وأثوابي تغطيها الدماء..).

على التوازي ألقى الدكتور عبد الرحمن البيضاني (1926 – 2012)، نائب قائد الثورة اليمنية، أسئلته عن أسباب التشظي والاقتتال العربي – العربي، ورحل غير منتظرٍ لإجابة؛ (لماذا نقطع رؤوسنا بسيوفنا.. ونشتري مشانقنا من عَرَقِنا.. لماذا نبيعُ المجد المدفون..  ونفخرُ بالكرامةِ المهدرة.. يا إلهي.. إننا الجلادون والضحايا)، وأغلب الظن أن أسئلته ستظل من دون إجابة لعقود طويلة أخرى.

لا تفرق الرغبة في الانتقام بين عقل عربي وآخر غربي؛ في الحالتين هناك عقلٌ سوداوي غايته سحق الآخر ورفع رايات النصر المزيفة على الركام.

دون سواها تُرْسَم الخرائط العربية بالدمِ والنار العربيين؛ من سوريا، إلى العراق، وفلسطين، واليمن، وليبيا. شُطرت السودان ثم انفجرت. هل صار التفتت صناعة حصرية عربية.

في روايته (توترات القبطي)، يرسم الروائي السوداني أمير تاج السر كعادته مدينة خيالية تمور بأحداث حقيقية؛ تزامن اجتياح آثار الثورة الدينية المسلحة مدينة السور مع موعد زفاف خميلة إلى المحاسب ميخائيل رجائي، الذي تحول في غضون أسابيع مُكرَهًا إلى سعد المبروك طباخ الأمير، وسُبيت خطيبته لتنضم إلى حريم الأمير. تحولت الأسواق إلى ساحات لاستعراض غنائم حروب لا تنتهي، ومقاتلين مدججين بالسلاح يُقسمون على الولاء للأمير. أُغلقت دواوين العلوم وتحركت عقارب الساعة للوراء. تحولت المدينة من باقة تتآلف فيها كافة أجناس الأرض، إلى قالبٍ واحد فرضه سيفُ الأمير.

بعد نشر أمير روايته سألته قارئة؛ (كتبت توترات القِبطي بلسان ميخائيل، فماذا عن المرأة في الحرب؟)، فكتب روايته (زهور تأكلها النار) بلسان خميلة. في كلتا الروايتين، بقى الدمار والقتل والخراب واحدًا. لا استثناءات.

تتشابه اليوم وقائع مدينة السور مع الخرطوم ودارفور وغيرهما. لا يحرق عود ثقاب الحرب السودانية/السودانية العُش فقط، بل يمتد إلى الاتجاهات الأربعة مهدداً الصغيرَ والكبيرَ، بينما تكتظ الشاشات بمشاهد الانتصارات المزعومة.

هل كان ممكنًا تجنب إطلاق الرصاصة الأولي، ربما!. (من يوقف الرصاصة في منتصف المسافة.. قبل أن تسكن كبد الزرافة)؛ سؤال آخر في التاريخ العربي طرحه أمل دنقل ورحل من دون تلقي رد.
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: