Close ad

ترميم أم إحلال وتجديد..؟!

29-4-2023 | 11:52

 بدأ موسم الامتحانات مع شروع تلاميذ مرحلة التعليم الأساسي فى التهيؤ لإمتحانات آخر العام التى تبدأ وتنتهى حول منتصف شهر مايو. فهل حدث جديد فى منظومة التعليم الآن أو سابقاً؟ أم تظل عيوب منظومة التعليم القديمة كما هى دون أن يطرأ عليها شئ من تغيير جوهرى؟!

صيحة التابلت..!
 
لن أخوض فى أسباب يعرفها الجميع حول عيوب منظومة التابلت وأهمها ضعف جاهزية البنية التحتية لاستيعاب أحمال الإنترنت فى وقت متزامن خاصةً فى وقت الامتحانات. وثانيها عدم جاهزية المستخدمين لعملية الانتقال الفجائية من طريقة تعليم تعتمد على التلقين، إلى عمليةتمكن بعض الطلاب من استغلال ثغراتها للقيام بعمليات غش جماعى لم تستطع الوزارة السيطرة عليها تماماً حتى وقتنا هذا!
 
عيوب هذه المنظومة كثيرة وعوارها مسألة لا تحتاج منى إلى إثبات، لكننى أود التوقف قليلاً أمام جدوى تلك "الموضة" التعليمية ومدى تحقيقها لأهداف التحديث والتطوير والنهوض بالأجيال القادمة لتهيئتها لسوق عمل يعتمد فى الأساس على التقنيات الحديثة..
 
ما حدث أن إدخال التابلت كوسيلة تعليمية حديثة فوق أنه عملية مكلفة، وتجربة حولت كل منظومة التأهيل للتعليم الجامعى إلى فأر تجارب ثبت عملياً أنها تجربة كارثية؛ خاصةً من ناحية جدواها..والسبب أن التعليم الجامعى لم يتطور بنفس الوتيرة مع الثانوية العامة، وظل معتمداً على الكتاب الجامعى الذى بدوره يمثل "سبوبة". 

ولأن التنسيق بين الوزارات أمر لا يمكن الطموح إليه فى حكومة ينقض فيها كل وزير ما يفعله "خصمه" السابق من تطوير فى الوزارة الواحدة، فما بالك لو أردت تنسيقاً بين وزارتى التعليم العالى والعام!

معنى هذا أن إدخال التابلت فى المرحلة الثانوية لم يكن تطويراً لتلك المرحلة الحيوية والخطيرة بل إرباك للكافة؛ والدليل أن الوزير الجديد وقع فى حيرة من إلغائه أو الإبقاء عليه فاختار بدبلوماسية الإبقاء على النظامين معاً فى مزيج أكثر إرباكاً وتعقيداً مما سبق، وفى النهاية لم يؤتى ثماره المطلوبة؛ لأنه منفصل عن احتياجات سوق العمل اليوم انفصالاً تاماً، ولاريب أن سوق العمل هو الهدف من التعليم بشقيه الأساسي والعالى..

زحام النظم!

كم لدينا اليوم من أنواع المدارس والكليات والمعاهد فى مصر؟ وهل هذا يخدم العملية التعليمية أم يضرها؟ وهل يمثل نوعاً جديداً من التقسيم الطبقى للمجتمع؟!
 
لدينا فى مصر مدارس حكومية ودولية وقومية وخاصة وتجريبية ونموذجية ولغات منها مدارس يابانية وألمانية وفرنسية وإيطالية وأمريكية وكندية وروسية وكورية، وهناك مدارس مجتمعية ومدارس متفوقين ومدارس الفصل الواحد ومدارس الموهوبين رياضياً. 

أما عن المعاهد والكليات فى التعليم الجامعى فأنت أمام شبكة عنكبوتية لا يمكن الإلمام بها فى سطور وإنما صفحات طويلة ومتاهة كبيرة خاصةً بعد أن صار القطاع الخاص يستأثر بجزء ضخم من تلك المنظومة.
 
مثل هذا التوسع والتعدد فى نظم ومناهج التعليم بمراحله المختلفة هو فى حقيقته سلاح ذو حدين، قد يفيد سوق العمل وينشط قطاعات الأعمال على اختلاف نوعها إذا كان توسعاً منهجياً يرتبط باستراتيجية شاملة تربط منظومة التعليم بعضها ببعض، ثم تربطها باحتياجات ومتطلبات سوق العمل .. لكننا فى الحقيقة لم نجنِ من عمليات التوسع تلك إلا مزيدا من التشتت والإضعاف. 

وما زلنا نرى خريجى الجامعات لا يستخدمون شهاداتهم الجامعية إلا بغرض تزيين جدار حوائطهم بنتاج هذه السنوات الطويلة الضائعة فى شهادة تعليمية لا تمت بصلة إلى مهنتهم أو حرفتهم أو وظيفتهم! فلماذا كان التعليم إذن؟

معضلات مزمنة
  
أزمة الصف الرابع الابتدائى أزاحت اللثام عن أكبر معضلة فى التعليم المصرى وهى معضلة المناهج..

غاب عن مطورى مناهج التعليم عندما شرعوا فى إتحافه بدرة إنتاجهم اللوذعى بمناهج مطورة تفاعلية كنوع من نبذ القديم ، أن التطوير لا يعنى طمس الثوابت العلمية، وأن التطوير لا يعنى مزيداً من الحشو؛ لدرجة أن المعلمين والمعلمات صاروا هم من يشكون من طول مناهج التعليم الابتدائى فما بالنا بالتلاميذ أنفسهم!
 
السر فى فشل عمليات إصلاح المناهج لدينا فى مصر أن الأساس الفلسفى لعملية التطوير غائبة؛ بمعنى أن سياسىة التعليم منفصلة عن رؤية الدولة التطويرية، فالتنمية تسير فى اتجاه والتعليم يسير فى اتجاهات كثيرة ليس من بينها اتجاه الدولة للتنمية!!
 
ليست المناهج هى المعضلة الوحيدة.. وإنما المعلمون أنفسهم! هؤلاء مظلومون برواتبهم الزهيدة، وحتى عندما يتجهون لتحسين دخولهم بالدروس الخصوصية فهم مضطرون. وهم فى هذا الاضطرار يوفرون لأولياء الأمور وسيلة للتغلب على ثغرات العملية التعليمية التى تترك التلميذ فى النهاية مشتتاً منهكاً حائراً لا يكاد يدرك من المنهج المترامى الأطراف إلا نذراً ضئيلاً لا يسد جوعه المعرفى ولا يحقق له كفاءة أو كفاف؛ لدرجة أن نرى تلاميذ فى المرحلة الإعدادية لا يستطيعون كتابة أسمائهم! فكيف وصلوا إلى هذه المرحلة التعليمية؟! وكيف نجحوا من الأساس؟!
 
إننا شعباً وحكومة ندرك ونعى كل عيوب العملية التعليمية، ومحاولات الإصلاح التى تجرى تباعاً لا تفى بمتطلبات سوق العمل، كما لا تحقق تطويراً ولا تحسيناً جوهرياً لعملية التعليم وإنما كل تطوير جذرى تجريبي غير مدروس بشكل كافى يأتى بنتائج عكسية كارثية. وفى ظنى أن عمليات الإحلال والتجديد وعمليات الترميم التى حدثت لمنظومة التعليم كلها غير ذات جدوى، وأن تركها بلا تغيير أفضل من تشويهها بمزيد من "التحسينات" المربكة والمفسدة لها، والتى تجثم بدورها على صدور أولياء الأمور بمزيد من المتاعب والأثقال، وعلى الطلاب بمزيد تشتت وإرباك، وعلى المعلمين بمزيد إضعاف.

فلسفة التعليم الغائبة
 
يحلو لنا أن نكذب على أنفسنا بأن التعليم لدينا بخير بينما المقارنة بين التعليم لدينا وأية دولة أخرى سيكشف لنا بوضوح مدى حجم المشكلة القائمة فى التعليم بمصر. لا يوجد بالدول المتقدمة مثل هذا الزحام فى النظم والمناهج وأنواع المدارس، ولا مثل هذا التضارب والارتباك فى القرارات الوزارية كل عام، ولا مثل هذا التكديس والحشو فى المناهج بما لا يتفق مع حاجة سوق العمل.
 
هناك مشكلات نوعية كثيرة أخرى خاصة بكل مرحلة تعليمية بدءاً من التعليم الأساسي ومروراً بالتعليم الفنى والثانوى وانتهاءً بالتعليم الجامعى. وكل تلك المعضلات والمشكلات ما ذكرت منها وما لم أذكر يمكن إصلاحها تباعاً بإصلاح الأساس الذى تنبنى عليه العملية التعليمية وهى فلسفة التعليم. إننا نعمد دائماً لحل مشكلات جزئية ونعيد البناء على أساس مهترئ أو غير موجود؛ فعلى سبيل المثال منظومة التابلت التى تم إدخالها كعملية تطويرية تهدف لدمج التقنية الحديثة كوسيلة تعليمية مواكبة للعصر، تلك العملية لم تنظر إلى الأساس القديم العتيق سواءً فى البنية التحتية أو المناهج أو طريقة التعليم ذاتها، ولم يكن انهيار وفشل تلك الفكرة الجزئية إلا مسألة وقت. 

وكل عملية تطوير ستأتى سيكتب لها نفس الفشل؛ والسبب أن الأساس الفلسفى للعملية التعليمية ككل غائب.
 ما لم نقف أمام أنفسنا وقفة حقيقية جادة تمس جوهر المشكلة ، سنظل محلك سر فى مستوى التعليم الذى بات ينحدر عاماً بعد عام، ووزيراً بعد وزير. وسنظل نقول أن أولادنا بخير بينما تمتلئ المقاهى كل يوم حتى حافتها إما بهارب من التعليم أو صاحب شهادة جامعية يعانى البطالة .
 [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة