Close ad

الوصاية على الأبناء بين الفن والقانون

24-4-2023 | 15:30

كثيرًا ما تسهم الأعمال الفنية الجادة من سينما أو دراما أو ربما مسرح أيضًا، والتي تتماس - بجانب الأداء  الفني الصادق والواقعي والمميز - مع القضايا الملحة للمجتمعات، في تغيير واقع صعب أو مؤسف وتحريك المياه الراكدة لخلخلة هذا الواقع الذي يتعلق بمسائل شائكة ومتكررة قد تؤثر على أجيال متوالية، بل وتغير قوانين عفى عليها الزمن ولم تعد صالحة لمجريات زمانها، والعكس - للأسف - أيضًا صحيح، أي أن الأعمال التي تنطوي على إبراز الأبطال منتصرين وهم فاسدون في مشاهد عنف وبلطجة تؤثر كذلك في أجيال ناشئة يترسخ في وعيها أن هذا هو النموذج للأبطال الذي يجب أن يكونوا عليه، ومن ثم رأينا جرائم مؤسفة، مبنية على مشاهدة تلك النماذج باعتراف أصحابها.

وهناك عدد من الأمثلة الإيجابية في سياق تغيير القوانين المجتمعية وتعديل بعض التشريعات من خلال أعمال فنية هادفة كانت لها رسالة سامية مثل فيلم "كلمة شرف"، بطولة الفنان الراحل فريد شوقي، الذي ناقش معاناة السجين في التواصل مع ذويه، فأسهم في تغيير القوانين وسمح للسجين بإجراء زيارة استثنائية خارج السجن في الأعياد والمناسبات، أو وفاة أو مرض أحد أقاربه، وكذلك فيلم "أريد حلًا" الذي أبرز معاناة المرأة المطلقة من قضايا الطلاق في المحاكم، فنتج عنه تغيير في قانون الأحوال الشخصية فيما يخص بيت الطاعة، وفيلم "آسفة أرفض الطلاق" الذي أدى لتغيير قانوني ليكون التطليق بأمر القاضي، كما لا ننسى الفيلم المهم "678" الذي أثر بشكل كبير في نظرة القانون والمجتمع أيضًا لمخاطر ظاهرة التحرش، وأسهم في تفعيل مواد قانونية تعاقب المتحرشين وتغليظ العقوبة عليهم.

وقد شهد ماراثون الأعمال الدرامية خلال رمضان المنقضي موسمًا دراميًا، برز فيه بقوة مسلسل "تحت الوصاية"، التي تفوقت فيه الفنانة منى زكي على نفسها، وقدمت دورًا رائعًا ومميزًا، في عمل أثار قضية مهمة وشائكة، وتمثل إشكالية متكررة حول الوصاية على الأبناء بعد وفاة الأب، وحقوق المرأة، لذا كان المسلسل مثار اهتمام قاعدة عريضة في المجتمع المصري والعربي؛ لأنه نبش جراحًا وآلامًا بالنسبة لكثيرين، فلقي ردود أفعال واسعة على مستويات عدة، منها ما أجريته من حوار مجتمعي مصغر عبر آراء متابعين تباينت وجهات نظرهم من حيث ضرورة تغيير القانون المرتبط بالوصاية المالية على الأبناء أو الإبقاء عليه، أو إضافة تعديلات تضمن أن تذهب الحقوق تمامًا - ونحن مطمئنون - إلى أصحابها من الصغار.

فهناك من رأي بأن القانون يحتاج إلى التعديل، ليس لأن الجد أو العم من ذوي الشر أو آكلو مال اليتيم مثل النموذج الذي تم تقديمه، ولكن لأن الأم الأقرب من أطفالها، وهي أعلم ما يكون باحتياجاتهم وأولويات الإنفاق عليهم، بعد الأب الذي غادر الحياة، كذلك هناك من أشار إلى احتمالية النفس الضعيفة لدى بعض الأمهات في زماننا، وقد لا تحسن التصرف في أموال يتامى وتنفقها على آخر أو أغراض شخصية، وتحدث آخرون عن إمكانية حق الأم في فك شهادة بنكية مثلا في ظل وجود مجلس حسبي متصرف، بينما الوصي مجرد قائم على إدارة شئون الأبناء، كما لا يُغفل هنا محاولة التوفيق بين رأي الشرع والدين؛ متمثلا في الأزهر الشريف، وكذا الاتجاه لتشريع ضامن لحق الأبناء، وقد كانت هناك فتوى حول الوصيّ الشرعي بعد وفاة الأب، أن يتولى أموال اليتامى الوصيّ الذي أوصى له الأب، سواء كان الوصيّ من الأقارب كالأم أو الأعمام أو الجد أو غيرهم، فإن لم يوصِ الأب لإنسان معين بالولاية على مال أبنائه، يكون الجد أبو الأب هو القائم والمسئول عن أموالهم، وإذا لم يكن الجد موجودًا اختار الحاكم أصلحهم لهذه الولاية، من حيث الأمانة والقوة على حفظ المال وصيانته، وأكد أحد علماء الأزهر، أن الوصاية الشرعية يجب أن تكون للذكور لارتباطها بالإنفاق.

وقد اختلف العلماء فيما يتعلق بترتيب الولاية على الأبناء في المال بعد وفاة الأب، وجميعهم ذكور، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فالأولى رجل ذكر»، وكان لافتًا التحرك البرلماني في هذا الشأن بعد عرض المسلسل، والتقدم بمشروع قانون له وجاهته، من قبل النائبة إيمان الألفي بشأن تعديل بعض أحكام قانون الولاية على المال (قانون رقم 119 لسنة 1952)، حيث يستهدف التشريع الحفاظ على أموال الصغار واستثمارها، كما أنه يتيح الوصاية المالية للأم بعد الأب مباشرة، لأن الولاية على المال وفق القانون  ليس فقط لحماية مال الصغير حتى يبلغ أشده، بل أيضًا وسيلة لضمان استقرار ونمو هذه الأموال، لضمان مصلحة الصغير حتى يكبر؛ لأن الأموال فى وضعها الثابت تفقد قيمتها مع الزمن، خصوصًا إذا كانت فترة الولاية كبيرة، لذا كان البحث في تعديل بعض أحكام القانون، للحفاظ على القيمة السوقية للمال التي تتطلب اتخاذ بعض القرارات بالصرف السريع، تماشيًا مع وضع الأسعار الحالية حفاظًا على الأبناء وحقوقهم.

وفي جميع الأحوال، فإن الأمر يحتاج إلى نظرة جادة وشاملة ومستوفية لجميع الجوانب لتحقيق ضمانة حقيقية أيا كان الوصي؛ لأن تصرف الأموال في شئون حياتية للأبناء المستحقين، بتخصيص وصي مشهود له بسيرة طيبة، وكذلك حنكة وحسن تصرف، وعبر أخذ التعهدات وإيجاد عقوبات في حالة إساءة هذا التصرف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: