Close ad

جاء العيد.. فلنطرد كل الأحزان

22-4-2023 | 10:11

إنها الدنيا.. أفراح وأحزان.. أعياد وأحقاد.. موت وحياة..

يأتي العيد وحولنا ما حولنا مما نرى.. حرب على تخوم أوروبا، وحرب في فم إفريقيا، وحرب في بحر آسيا قد تشتعل في أية لحظة! ورغم ذلك تسير الحياة سيرها لا تعبأ بمن جاء ومن ذهب، ولا بمن افتقر ومن جمع الذهب. فلماذا الحزن إذا كانت الدنيا بكل ما فيها من مغريات لا تعدل عند الله جناح بعوضة؟!

دعونا نفرح معًا
 الفرحة لا يمكن أن يشعر بها إنسان وحيدًا معزولًا، يبخل حتى بمشاطرة السعادة مع الآخرين.. الفرحة هي أن ترى أهلك سعداء ضاحكين فتشاركهم الضحك، وأن تضع في يد فقير جنيهًا واحدًا فيدعو لك بالسعادة فتسعد، وأن تتذكر أقرباءك وأصدقاءك الذين نسيتهم من شهور فتهاتفهم وتستعيد ذكرياتك معهم في لحظات قليلة جميلة تحشد في ذهنك شريط سنوات طويلة مضت.

فلنفعل كما يفعل الأب الطيب المكافح مع أولاده لحظة دخوله عليهم بعد يوم شاق مضنى.. كان قبل لحظات من دخوله عليهم محملًا بأطايب الطعام والحلوى والفاكهة ومجملًا وجهه بابتسامة عريضة لا تعبر عما يضج به قلبه من هموم، ولا ما يدور في عقله من حسابات، كان يرى معركة دارت بين اثنين من جيرانه بسبب قاذورات ألقاها أحدهم، وحاول أن يهدئ الأجواء ويصلح ذات البين فناله ما ناله من أذى فصبر وصمت. وقبل هذا كان هو ذاته في معركة جدال وفصال مع البائعين الجشعين لدى شراء البقالة والخضار واللحم والفاكهة. ومن قبل ذلك معارك مع عملاء الشركة ومديرها، ومعارك أخرى في المواصلات والشوارع ومن يُبتلي بالسير بين المتزاحمين فيها فيصخب ويغضب ويزاحم ويسب!

رغم كل هذه المتاعب يدخل الأب والابتسامة الوقور تعلو وجهه الطيب، وسرعان ما يندمج مع أولاده في سعادتهم البريئة الصادقة وسعادته المفتعلة المكافحة!
 دعونا نفرح رغم كل شيء، ولنلق بهمومنا خلفنا وننساها يوم العيد الذي هو فرصة عظيمة لا ينبغي أن نفوتها أو نتركها تضيع وتتسرب من بين أيدينا. فرصة لسعادة صارت اليوم مغنمًا ومطمعًا للكافة!

للسعادة وزارة ومؤسسات
 ليس أدل على أن السعادة صارت في ذاتها هدفًا عظيمًا ومطمحًا للناس جميعهم من تحويلها إلى سلعة مطلوبة وهدفًا خدميًا تخصص له الدول وزارات وهيئات رسمية!
 في الغرب مؤسسات خاصة وعامة قامت لهذا الغرض.. هوليوود ذاتها هي هيئة للترفيه والترويح وجلب السعادة من خلال أفلام تكلف مليارات ونجوم كوميديا يتقاضون أعلى الأجور. وليست المقاهي والكافيهات والنوادي ودور السينما والمسارح إلا أماكن للترفيه وتناسي الدنيا وهمومها. وقد يدخل إليها الرجل لينسى همومًا فتضيف إلى كآبته كآبة أشد! فليست السعادة سلعة يمكن شراؤها، بل هي شيء وقر في القلب يمنحها المولى للسعداء.. ألم تقرأ قوله جل وعلا: (وأنه هو أضحك وأبكى)؛ أي أن السعادة رزق ينبغي أن نسعى لاكتسابه والفوز به.

السعادة في حقيقتها ليست مكلفة، بل إن الحزن هو أكثر المشاعر تكلفة. الكلمة الطيبة كم تكلفك؟ لكنها مصدر سعادة لأحبابك. القرش الذي تعطيه لفقير يسعدك أنت قبله. وهكذا كل شيء بسيط تعطيه وتمنحه وتتصدق به يطهرك وينقيك ويرتد إليك أضعافًا مضاعفة في صورة مشاعر جميلة ترسم على وجهك ابتسامة وتمنح لقلبك قناعة ولقدميك خفة فتسير على الأرض سير الطير.

عيد سعيد بكل لغات الأرض
 السعادة ليست لها لغة، والفرحة بلا ترجمان.. لكن طريقة التعبير تتباين من مكان لآخر..

ثمة عادات مشتركة بين كل الأقطار العربية كالعيدية وتوزيع الحلوى والملابس الجديدة والخروج للمتنزهات. لكن الاختلاف في بعض التفاصيل.. مثلًا أنواع الحلوى والمأكولات يختلف من بلد إلى بلد.. هناك الغريّبة والبقلاوة في لبنان وتركيا وفلسطين ومصر، وفي العراق طبق "الكليجة" والكعك والبرازق في سوريا، بينما في السعودية والإمارات تزدان الموائد باللحوم والثريد والمجبوس والكبسة إلى جوار الحلوى التقليدية، وبينما تشتهر الكسكسي في بلاد المغرب العربي، فإن بلدان وسط آسيا المسلمة توجد أطباق البولاني والراندينغ
 في السعودية عادة مشهورة في بعض مناطقها التي يعرف فيها الجيران بعضهم البعض، يخرج الأطفال بسلال فارغة ويتنقلون بين البيوت بملابس تراثية مخصصة للعيد يجمعون الحلوى والنقود من المنازل فيما يعرف لديهم بحوامة العيد.

في مصر اعتدنا أن نستقبل العيد بالصواني المحملة بالكعك والحلوى والبسكويت، وبجديد الملابس يتفاخر بها الأطفال بين أقرانهم، ثم تأتي زيارة الأقارب تليها "فسحة العيد" في المتنزهات والحدائق والمسارح والملاهي ودور السينما. غير أن تلك العادات بدأت تنسحب وتتغير شيئًا فشيئًا لأسباب اقتصادية واجتماعية، واليوم قد تمر أيام العيد كلها والشوارع صامتة هادئة وقد آثر أولياء الأمور قضاءه في حالة كمون وسكون وعدم انحياز!
 
اقتناص الفرحة من قلب المعاناة
 رغم كل ما نراه يحدث حولنا، ورغم المخاوف والآلام والمتاعب ينبغي أن نتعلم كيف نننتزع السعادة من قلب المعاناة.. ولنا في رسول الله أسوة حسنة.. صاحب الابتسامة المشرقة في وجوه أصحابه رغم كل ما لاقوه من مصاعب وأزمات، وهو الذي قال: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، إنها صدقة لا تكلفك إلا انبساط الوجه والبشاشة تجاه الناس لاسيما أحباؤك.
 إنه يوم أو بضعة أيام قليلة تمثل فرصة سنوية لشحن كل أسباب الفرحة لصبها في النفوس، ولننسى كل أسباب الحزن والتعب والخوف والقلق.. أن نتعلم كيف نملأ قلوبنا بشعور الرضا والامتنان لما حبانا الله به من نعم أجلها الأمن والشبع مصداقًا لما جاء في أواخر سورة قريش.. أن نتحرك نحو السعادة بأفعال إيجابية بدلًا من انتظارها تأتينا من النوافذ ونحن نيام. أن نشاطر السعادة مع من نحب بدلًا من بث البغضاء والكراهية والأحقاد بين الناس.. والأهم أن ندرك أن السعادة لا تحتاج منا كثير مال بقدر ما تتطلب قليلًا من الرضا والتفاؤل..

عيد جديد وتفاؤل دائم
الدراسات الحديثة تؤكد أن الأشخاص المتفائلين يعيشون أطول بنسبة تصل إلى 15% زيادة عن المتشائمين. وأن البؤس المعنوي قد ينال بعض الأشخاص الموثرين بسبب مقارنة حالهم بحال الأكثر ثراءً وهي حالة تفشت في أزمنة الفضائيات والسوشيال ميديا وهيمنة الصورة وتأثير المرئيات. وأن مثل تلك الحالة من القنوط من السهل التغلب عليها بأمرين: أولهما تعزيز المشاعر الروحية والدينية، وثانيهما تقوية أواصر العلاقات الاجتماعية خاصة بالأقارب. وهذا ما جعل عيدنا يختلف عن سائر أعياد واحتفالات الناس في بلدان العالم، إذ ترتبط أعيادهم بالمتعة الفردية البدنية، وتهمل الناحية الدينية والاجتماعية.

 إن التفاؤل الحق هو ما يأتي في أصعب الظروف، كما بشر النبي الكريم بفتح فارس واليمن والروم في قلب غزوة الأحزاب؛ ولهذا أمرنا قائلًا: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الطيبة).

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الاستثمار الثقافي والتحول الرقمي!

جف قلمي وبُحّ صوتي من كثرة ما ناديت أن بإمكاننا استغلال الثقافة كاستثمار مضمون واعتبار وزارتها وزارة اقتصادية لا مجرد وزارة خدمية غير هادفة للربح

فن التويتات الشعرية

سوق عكاظ يختلف عن سوق الإنترنت. والخواء الذي تميزت به صحراء الجزيرة العربية شاسعة الاتساع كان لا بد من ملئه بالأشعار الطويلة والمعلقات التي تستغرق كتابتها شهورًا وقراءتها أيامًا وتأملها سنوات

الصيف لم يبدأ بعد!

توقعت منظمة الصحة العالمية ارتفاع الحرارة هذا العام بدرجة غير مسبوقة، وحذرت وكالة ناسا من تبعات هذا الاحترار الذي يشير لعودة السلوكيات الفظة للإنسان ضد الطبيعة..

الأكثر قراءة