Close ad
18-4-2023 | 13:57

بعد انتهاء صلاة التراويح لفت نظري شاب صغير السن يجلس إلى جواري تدور عيناه على الآخرين وعلى وجهه علامات التعجب، استفسرت فأجاب بامتعاض وبصوت يشعرك بحرص صاحبه أن يسمعه الآخرون: هل ترى يا سيدى كم كان عدد المصلين في صلاة التراويح؟ ابتسمت، فقد صح توقعي، لكنني راوغته قائلًا: قليل، أليس كذلك؟ صاح قائلًا: لا بل كثير.. كثير جدًا، لماذا لا يملأون المساجد بهذا الشكل في الأيام العادية ويفضلون التسكع في الطرقات؟ لماذا في رمضان فقط؟ ما هذا النفاق؟ لماذا يحرصون على إرضاء الله فقط في شهر رمضان؟

قلت له: عندك حق، أنا أيضًا ألاحظ أنهم يكثرون فعلًا في الشهر الكريم عن غيره من الأيام، لكن عندي حكاية ربما تفسر لي ولك هذا الأمر، ورويت له أن شخصًا يدعى سهيل بن عمرو كان على سفر برفقة زوجته، فاعترض طريقهم بعض اللصوص، وأخذوا مالهم وطعامهم ثم جلسوايأكلون إلا قائد اللصوص، جلس بعيدًا لايشاركهم الطعام، وعندما تعجب سهيل بن عمرو واستفسر منه عن السبب أخبره اللص بكل هدوء أنه صائم! فسأله سهيل في تعجب: تسرق وتصوم؟! كيف ذلك؟ فابتسم اللص قائلًا إني أترك بابًا بيني وبين الله لعلي أدخل منه إلى الجنة.

وتقول الحكاية إنه بعدها بعامين وأثناء أداء سهيل لفريضة الحج التقى بشخص عند الكعبة عرفه من وجهه، نعم كان هو زعيم اللصوص، وكان قد تاب وأصبح عابدًا لله، فضحك سهيل وقال: من ترك بينه وبين الله بابًا دخل منه يومًا ما.

نظر الشاب نظرة استنكار وقال: معنى ذلك أنه لا مانع أن يسرق الشخص ويقتل ثم يصلي ويصوم؟ قلت له لا يا بنى الحكمة من تلك القصة أن ارتكاب المعصية لا يجب أن يمنع الإنسان من القيام بالطاعات، لا تنصت للشيطان عندما يوسوس إليك أنه لا جدوى من الطاعة ما دمت ترتكب المعصية، إياك ثم إياك أن تترك طاعة تفعلها ولو كنت تفعل ألف معصية.

صمت الشاب ثم قال: لقد تذكرت أنا أيضًا حكاية مماثلة يا سيدي، كنت قد قرأت أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله رأى قاطع طريق يسرق الناس، ثم رآه بعد ذلك يصلي في المسجد فذهب إليه قائلًا: ما ينبغي على من يصلي لله أن يسرق، فقال السارق: يا إمام بيني وبين الله أبواب كثيرة مغلقة لكني تركت بابًا واحدًا مفتوحًا، بعدها بأشهر قليلة ذهب الإمام لأداء فريضة الحج وأثناء الطواف رأى رجلًا متعلقًا بأستارالكعبة يقول: تبت إليك ارحمني لن أعود إلى معصيتك. وعندما تأمل وجه الرجل وجده ذلك اللص فقال في نفسه: ترك بابًا مفتوحًا ففتح الله له كل الأبواب.

الباب الموارب مع الله سبحانه وتعالى رحمه كبيرة، فلنحرص على عدم غلق جميع الأبواب التي بيننا وبين الله مهما كثرت الذنوب وعظمت المعاصي، فعسى باب واحد أن يفتح لنا أبوابًا كثيرة.

كان أبي رحمه الله يردد دومًا: "ابقى رجعه"، وكنت لا أفهم حتى استوقفته في إحدى المرات متسائلًا ما معنى ذلك؟ فقال لي عندما تحدث مشكلة بينك وبين أحد فلا تترك الأمور تتطور إلى الحد الذي تخسرون فيه بعضكم البعض إلى الأبد، تذكر دومًا مهما حدث من خلاف أن هناك لحظة قد تلتقون فيها ويكون هناك عتاب، اترك بابًا مواربًا لكي ترجع منه الأمور إلى ما كانت عليه. إذا كان هذا هو الحال بين البشر فما بالنا مع الله سبحانه وتعالى.

نعم الباب الموارب رحمة لابد من التعلق والتشبث به عسى أن يكون طريقًا للنجاة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة