Close ad

شم النسيم.. حكاية العيد الأقدم الذي أجمع عليه المصريون

16-4-2023 | 00:14
شم النسيم حكاية العيد الأقدم الذي أجمع عليه المصريون شم النسيم
إيمان فكري

"بالفسيخ والرنجة والبصل"، يحتفل المصريون بواحد من أهم أعيادهم التاريخية، وهو شم النسيم أو عيد الربيع، والذي يوافق الإثنين 17 أبريل الجاري، ويتخذ طابعا أقرب للمهرجان الشعبي المتنوع، ويشترك المصريون بمختلف أديانهم وطبقاتهم الاجتماعية الاحتفال بطقوس عيد الربيع، بداية من تلوين البيض، وتناول الأسماك المملحة في سياقات اجتماعية مرحة كالخروج إلى المتنزهات وعلى ضفاف النيل، أو جمع شمل الأسرة في المنزل.

تاريخ شم النسيم

وتمتد جذور الاحتفال بشم النسيم إلى مواريث فرعونية في احتفال ارتبط ببعث الحياة والاستمتاع بجمال الطبيعة في الربيع، فيعود تاريخ الاحتفال بشم النسيم إلى ما يقرب 5 آلاف عام مضت، أي إلى عهد الأسرة الفرعونية الثالثة، ويعتبر أقدم عيد غير ديني في العالم، ويرجح بعض المؤرخين أن شم النسيم يعود لأقدم من ذلك حيث كان يتم الاحتفال به في هليوبوليس الفرعونية.

"اقض يومًا سعيدًا، وضع البخور والزيت الفاخر معا من أجل أنفك، وضع أكاليل اللوتس والزهور على صدرك، بينما زوجتك الرقيقة في قلبك جالسة إلى جوارك. فلتكن الأغاني والرقص أمامك، واطرح الهموم خلفك. لا تتذكر سوى الفرح، إلى أن يحلّ يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت." هكذا جاء وصف يوم شم النسيم عند القدماء المصريين في مقتطف يطلق عليه "أناشيد الضارب على الجنك"، نقلا عن الترجمة الفرنسية التي قدمتها العالمة "كلير لالويت"، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس.

أصل كلمة "شم النسيم"

وكلمة شم النسيم هي تحريف لكلمة "شمو" في اللغة الهيروغليفية القديمة، والتي ارتبطت عند المصريين القدماء بتاريخ خلق الأرض، حيث كان القدماء المصريون يعتقدون أن شم النسيم هو أيام الزمان وبداية الخلق، وبمرور الوقت تحورت كلمة شمو إلى كلمة شم، ثم شم النسيم لارتباط فصل الربيع باعتدال الجو وتفتح الزهور.

مظاهر الاحتفال بـ"شم النسيم" قديما

كان الاحتفال بشم النسيم يبدأ مع الاعتدال الربيعي في الحادي والعشرين من مارس، أي مع بداية فصل الربيع، واعتاد المصريون القدماء أن يجتمعوا كل عام في هذا اليوم عند الهرم الأكبر لمشاهدة غروب الشمس، وتربعها على قمة الهرم في منظر مهيب يتكرر إلى يومنا هذا، فبسبب تعامد الشمس على خط الاستواء تميل بالتدريج عند غروبها حتى تتربع قبل الغروب بدقائق عند قمة الهرم الأكبر، بعد ذلك يبدأ شعاع الشمس في اختراق الهرم تدريجيا، حتى يبدو أنه يقسمه لشطرين متساويين.

ويستمر الانقسام حتى غروب الشمس؛ حيث تسقط أشعة الشمس على الجانب الجنوبي للهرم، فيبدو وكأنه هرمان متطابقان، ومازالت هذه الظاهرة تحدث حتى اليوم مع كل اعتدال ربيعي، فيبدو كأن الهرم ينشطر قبل غروبها في السادسة مساء الحادي والعشرين من مارس.

وتوصل العالم الفلكي والرياضي البريطاني بركتور إلى رصد هذه الظاهرة، وتمكن من تصوير لحظة انشطار واجهة الهرم في عام 1920، كما استطاع العالم الفرنسي أندريه بوشان في عام 1934 م، تسجيل تلك الظاهرة المثيرة باستخدام الأشعة تحت الحمراء.

أكلات شم النسيم

وارتبط شم النسيم منذ عهد الفراعنة ببعض الأطعمة التي كان لها مدلول خاص عند المصريين القدماء، فكل طعام كان يرمز لهدف معين كالتالي:

  • الفسيخ

يعتبر من أشهر الأكلات المصرية التي تمتد لعهد الفراعنة، وهو عبارة عن السمك البوري الذي يتم تمليحه وحفظه بعناية فائقة، وشاع استخدامه في عهد الأسرة الخامسة كوسيلة لتقديس نهر النيل وعطاياه، أما اليوم فهو يؤكل مع سمك الرنجة المدخن كتقليد ورمز لهذا العيد ولا يُمكن الاستغناء عنه.

  • البصل الأخضر

البصل الأخضر معروف بفوائده العظيمة للجسم وقدرته على تقوية جهاز المناعة، فكان يرمز عند قدماء المصريين للتمسك بالحياة وهزم الأمراض وعدم الاستسلام للموت، وكانوا يعلقونه في الشرفات وحول رقابهم وتحت وسائدهم بالإضافة لأكله.

  • الخس والحمص

كما كان الخس أحد النباتات المقدسة عند المصريين القدماء وكان رمزًا لإله الخصوبة، فكانوا يدعون أن له قدرة على زيادة القدرة الجنسية، وهذا ما تم إثباته بالفعل خاصة زيت الخس لاحتوائه على فيتامين هـ بكثرة، أما الملانة أو نبات الحمص الأخضر، فقد كان دلالة على قدوم فصل الربيع، فامتلاء الثمرة كان يعني أن الربيع قد حل.

  • البيض الملون

يرمز استخدام البيض عند قدماء المصريين لخلق الحياة وانبعاثها من بين الجماد، فكانوا ينقشون أمنياتهم ودعواتهم عليه ثم يضعونه في سلال مصنوعة من السعف في الشرفات، كي يتبارك بنور الإله (الشمس) عند شروقه ويحقق لهم ما يرغبون، أما اليوم فقد تطور نقش الأمنيات لمجرد رسوم وألوان وزخارف زاهية.

تلوين البيض

وقد تطورت هذه النقوش فيما بعد لتصبح لونًا من الزخرفة الجميلة والتلوين البديع للبيض؛ حيث يعتبر البيض الملون مظهراً من مظاهر الاحتفال بعيد شم النسيم، ومختلف أعياد الفصح والربيع في العالم أجمع، واصطلح الغربيون على تسمية البيض "بيضة الشرق".

وبدأ ظهور البيض على مائدة أعياد الربيع "شم النسيم"، مع بداية العيد الفرعوني نفسه أو عيد الخلق حيث كان البيض يرمز إلى خلق الحياة ، كما ورد في متون كتاب الموتى وأناشيد (اخناتون الفرعوني)، وهكذا بدأ الاحتفال بأكل البيض كأحد الشعائر المقدسة التي ترمز لعيد الخلق، أو عيد شم النسيم عند الفراعنة.

أما فكرة نقش البيض وزخرفته، فقد ارتبطت بعقيدة قديمة أيضاً؛ إذ كان الفراعنة ينقشون على البيض الدعوات والأمنيات ويجمعونه أو يعلقونه في أشجار الحدائق حتى تتلقى بركات نور الإله عند شروقه بحسب زعمهم، فيحقق دعاءهم ويبدأوا العيد بتبادل التحية "بدقة البيض"، وهي العادات التي ما زال أكثرها متوارثاً إلى الآن.

كلمات البحث
الأكثر قراءة