Close ad

عن التنازلات والمرونة

15-4-2023 | 08:54

 يخلط الكثيرون بين التنازلات والمرونة وبسبب هذا الخلط تحدث مشاكل وتتضاعف خلافات بسيطة وتضيع بعض الحقوق أيضًا؛ لذا يجب التفرقة بينهما وإزالة الأخطاء الشائعة بينهما لينعم الجميع بحياة ناجحة وسعيدة "يستحقونها" وندعو لهم بها..

تختلف التنازلات عن المرونة؛ فالأولى تتسبب بالشعور بالمرارة والثانية تمنح الإحساس بالراحة النفسية وإعادة ترتيب الأولويات وفقا لأهمية كل منها، وادخار الطاقات وعدم بعثرتها على ما لا يستحق..

تبرير تنازلات الآخرين "فخ" ينصبه البعض لنفسه وسرعان ما سيتنازل مثلهم أو أسوأ؛ ونتمنى ألا نبرر التنازلات وألا نفضح من يقدمونها، ونتجاهلها ونمضي في طريقنا "ونشكر" الرحمن ولا نغتر أبدا؛ فلولا "فضله" عز وجل لسبقناهم في التنازلات بأنواعها.

يتوهم البعض أنه يمكنه تقديم بعض التنازلات "مؤقتا" ثم التوقف عنها بعد "الاكتفاء" من مكاسبه منها، ولكن الواقع يؤكد استحالة ذلك؛ ليس لأنه سيرغب في المزيد من المكاسب التي نالها، ولكن أيضًا لأن الآخرين وضعوه في إطار من "يسهل" عليه تقديم التنازلات وسيعاملونه هكذا دومًا..

من الذكاء إدراك أن التنازلات كالرمال المتحركة من يقترب منها "ستبتلعه" ولو بعد حين، أما من "يستعن" بالله ويقفز دومًا بعيدًا عنها ويذكر نفسه بالخسائر في الدنيا وفي الآخرة فسينجو بمشيئة الرحمن منها.

يخدع البعض نفسه بترديد كلمات مثل: الدنيا تغيرت وكذلك المبادئ؛ وأسوأ الغش غش الإنسان لنفسه فلو تغيرت الدنيا وأكل الناس كلهم الطعام الفاسد لما تناول منه حفاظًا على صحته؛ فما بالنا بمن يخسر صحته النفسية بتقديم تنازلات فضلًا عن الخسائر الدينية وفقدان احترام الناس له، والأهم فقدان تقديره لنفسه مهما كانت مكاسبه منها.

التنازل هو ترك الشيء للغير والتخلي عنه، ويقاس النجاح بحجم التنازلات التي قُدّمت للفوز به؛ فمن يتنازل عن علاقته بربه، وعن مبادئه، وأيضاً عن حسن رعايته لأسرته لا يعدّ ناجحاً.

يؤذي البعض نفسه ويتنازل "ويبررها" بالواقعية وبصعوبة تحقيق الأحلام؛ والواقعية بريئة من ذلك؛ وما لا نستطيع تحقيقه اليوم "بنزاهة" نستحقها فلنقم بتأجيله، ولا نتخلى عنه أيضا بحجة المرونة وهي براء من ذلك؛ ولنختر أحلامًا بديلة ونحولها لواقع وننمي قدراتنا ونجدد الاستعانة بالخالق وسنتمكن بعون الله من تحقيق أفضل الأحلام في أحسن توقيت بلا تنازلات والعكس صحيح.

من التنازلات الشائعة "اختيار" النفاق والتجسس على الزملاء وتقديم الرشوة أو قبولها، واستغلال بعض بنات حواء للأنوثة لنيل الترقيات والمكافآت وغير ذلك.

يضعف البعض "نفسه" ويصبح فريسة سهلة للتنازلات ويقبلها بسهولة فور العرض عليه؛ بالتفكير المتواصل في الماديات وتوهم أنها السبب الوحيد للسعادة وربما لعلو المكانة والوجاهة الاجتماعية؛ فيكون كمن يفتح النوافذ والأبواب كلها عند اشتداد البرد فيؤثر عليه أقل فيروس؛ ولذا يسهل "اصطياد" من يقبلون بالتنازلات، وكان بإمكانهم حماية أنفسهم بتذكر أن القوة والمكانة والوجاهة "الحقيقية" تكمن في الاستغناء وفي الانحناء أمام الخالق عز وجل وحده، وأنه سيغادر الحياة فجأة؛ ومن الذكاء أن يغادرها برأس مرفوعة وألا يحمل نفسه ما يعجز عن تحمل "فواتيره" في حياته الحقيقية بالآخرة.

من يبحث عمن يكون له سند "يؤذي" نفسه نفسيًا؛ فيزرع بداخله الضعف والاحتياج للآخرين ويسهل عليه تقديم "التنازلات" ليفوز برضاهم أو بدعمهم.

تبدأ التنازلات في العقل؛ عندما نتعامل مع الناس ومع من نحب من باب البحث عن الاهتمام والأخطر "الاحتياج" للاهتمام؛ حينئذ تبدأ "التنازلات" بمختلف الدرجات والأنواع كالتخلي عن حقوق أو قبول إهانات أو السماح بأخطاء أخلاقية وغير ذلك.

توجد فوارق كثيرة بين التنازلات والمرونة؛ فالأولى مرفوضة، وإن تغيّرت أشكالها وألوانها، "وروائحها" تكشف عنها؛ فالتنازل هو ما نكْره أن يعرف الناس ما نفعله، أما المرونة؛ فضرورية في مشوار الحياة بشرط ألا تتعارض مع الكرامة، واحترام النفس، أو فعل ما يحرّمه الدين، وهذا لا يعني التشدد بالطبع.

من المرونة مع شركاء الحياة "تجاهل" الأمور البسيطة التي تصدر منهم وألا نطالبهم بالكمال، والحرص على الأخذ برأيهم في بعض الأمور التي تخصنا، وإشعارهم بتقديرنا لهم.

المرونة ضد التصلب والتشدد وكلاهما يؤذي العلاقات ويضاعف الخلافات البسيطة ويحولها لصراعات من الذكاء منعها؛ فهي تعني "منح" النفس الحرية في التفكير والبراح في اتخاذ القرارات وفقا للأولويات "ومنع" الصغائر في التحكم بعقولنا وحرمانها من قيادة أعمارنا.

المرونة ضرورية ومهمة وهي دليل قوة وليست ضعفًا، ولديها حدود فإذا زادت أصبحت خطأً كبيرًا مثل غيابها، ولا تعني تجاهل المشكلة أو الخطأ ولكن المقصود "اختيار" عدم التصعيد ووضعها في حجمها الطبيعي بلا زيادة أو نقصان وإخبار الطرف الآخر بذلك بلطف وبلا حدة حتى لا يظن أن الخطأ أمر عادي "فيكرره" وسيعترض عند الاعتراض عليه.

يفتخر البعض -من الجنسين- باختيارهم المرونة وفي الحقيقة أنهم يفعلون ذلك للهروب من مواجهة المشاكل وعدم الاعتراف بدورهم في صنعها أو لرفض تحمل فاتورة الإصلاح؛ 

والمرونة لا تعني إضاعة الحقوق ولا قبول الإساءة أو تبريرها أبدًا، المرونة توسيع للحياة وتجنب تحميل الأمور البسيطة بأكثر مما تحتمل، وإراحة العقول وشغلها بما يضيف إلينا ولمن نحب، وإغلاق أبواب النكد أولًا بأول وتشجيعهم على معاملتنا بالمثل فالمرونة مثل الحب "الذكي" والناجح السعيد لا تكون من طرف واحد أبدًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة