Close ad

مصر والسودان: استثمار العلاقات الأزلية

11-4-2023 | 17:42

كنا في شهر رمضان المعظم سنة 1410 هجرية (شهر إبريل 1990) وجلست في شقة الكاتب السوداني الكبير الطيب صالح في إحدى عمارات شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة، والطيب هو أحد أهم المبدعين العرب في القرن العشرين، وقد تعرفت على صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال" في بيت أستاذي رجاء النقاش والذي كان يحتفل بكل زيارة يقوم بها الطيب. 

كانت زيارة الطيب للقاهرة حالة ثقافية فريدة، إذ يجتمع حوله أصدقاؤه ومريدوه كشيخ صوفي جليل، وألحقني الأستاذ رجاء بهم جميعًا، وأول ما سألت الطيب في ذلك الحوار كان عن مصر. 

وقفت كثيرًا أمام العلاقة بين مصر والسودان، وإذا كان البعض يرى في الجوار أحد تجليات لعنة الجغرافية، فإن الغالبية من الشعبين يرونها ارتباطًا أزليًا وثيقًا، لا يقلل من فوائده سوى عدم القدرة على استثماره، والأمر ليس مفصلا على علاقة مصر والسودان، وإنما هو أمر عام وشامل في معظم العلاقات البينية العربية، سواء بجيرة مباشرة أو من دونها، حيث لم نتمكن، منذ أن برز المشروع القومي العربي إلى السطح، ومنذ أن تأسست جامعة الدول العربية، من تحويل عناصر اللغة والدين، والثورة والثروة، إلى قوة لها وزنها في العالم، يكون بوسعها الخروج من حالة التبعية للشرق والغرب، إلى حالة قوة وتناغم اقتصادي، سياسي، اجتماعي، وثقافي. 

ولا يمكن النظر إلى العلاقة بين مصر والسودان على أساس التاريخ المشترك فقط، وإلا تكون محاولة انقضاض على مستقبل البلدين، بل النظر يجب أن ينصرف إلى التعايش الحاضر في نفس الوقت، وبالتالي الحد من المظاهر السالبة ووقف العمل على تضخيمها بكل الوسائل.. ويستند البلدان في ارتباطهما على جذور مشتركة عميقة، هذه الجذور هي التي ربطت في نهاية الأمر بين شمال القارة الإفريقية وعمقها في الشرق والغرب، وهو ما جعل القناعة المصرية بالدور الإفريقي ودعم حركات التحرر يمر عبر البوابة السودانية للقارة. 

هذه الثوابت ربما تتوارى بعض الوقت أمام تصريحات شاردة من أشخاص غير واعية من هنا أو هناك، لا يدركون من أمرهم شيئا.. فيما كان ينبغي العمل بين المسئولين وكذلك النخب على استثمار مئات الفرص بين البلدين وتفعيل عشرات الاتفاقيات والتفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الستين عامًا الماضية، والعمل على إزالة التناقضات الزائفة، التي تكاد تكون قاطرة تخريبية بين الشعبين. 

قال لي الطيب صالح:

ـ "يوجد إجماع عربي على الدور القيادي والريادي لمصر، ونحن جميعًا ندين بالجميل لمصر، لأنها أسدت إلى العرب أيادي كثيرة في ميدان الثقافة وغيره، ولا أعتقد أن أحدًا يقوم عقبة دون ظهور موهبة، أو أمة تقوم عقبة دون ظهور موهبة من أمة أخرى، نحن نتكلم كأمة عربية، وكل منا يساهم بما يستطيع، بحيث نخلق تيارًا عامًا يمكن أن يطلق عليه اسم "فكرة عربية"، أو "ثقافة عربية".. فخارج العالم العربي ينظرون إلينا ككل، ومسألة أن أحدًا يحب مصر، وآخر يكره مصر، فارغة من المعنى، ولسوء الحظ أن بعض الصحفيين – وهم قلة – يخلقون المشكلات بحثًا عن الإثارة، وعن تصنيف الأشقاء العرب، مع مصر أو ضد مصر".

هذه الخلاصة للأديب الكبير تؤكد الدور القيادي لمصر، وهو الدور الذي قد يثير البعض حتى من بين المصريين أنفسهم، لأنهم طالما رفضوا أحاديث "القيادة" و"الريادة" التي أحيانًا جرى استخدامها في غير موضعها. لكن الطيب يرى أن لا أمة يمكن أن تقوم عقبة أمام ظهور مواهب أو نشوء نهضة في أمة أخرى، وهذا في تصوره خلط للأوراق والمشكلات.. كما رفض تصنيف الأشقاء العرب مع مصر أو ضد مصر، وذلك الإحساس ألم ببعض المصريين في أوقات محددة، كما يستثمره البعض لنسف الفكرة العربية في مصر.

ورغم ذلك فإن هذه الحساسية تتبدد فيما بعد، لتجد الشعوب العربية في الوقت المناسب مع مصر، وشواهد التاريخ القريب دالة على ذلك. ولقد رأى الطيب وهو من عاش في بريطانيا زمنًا، أن النظرة الخارجية للعرب عامة، بينما نحن نطرح أنفسنا فرادى، كما أنهم يروننا ضمن الغابة المحيطة بهم، كما ذهب مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أخيرًا. 

وأضاف الطيب:

"ونحن في السودان، مصر بالنسبة لنا شيء عزيز، مصر عزيزة لدى كل العرب، وبالنسبة للسودان لها وضع خاص، وطوال حياتي وفي جميع المواقع التي عملت فيها، كنت أنظر إلى هذه الفكرة، أن مصر هي الرائد، وأننا كعرب ينبغي علينا عمل شيء يساعد في نهاية الأمر على نهضة الأمة العربية ككل".

علاقة مصر والسودان ليست أحادية البعد، ومظاهر الانسجام والاختلاط بين الشعبين أغنى منها عند القادة أنفسهم، وليس أدل على ذلك من أن آخر إحصائية سودانية رسمية أفادت بوجود 10 ملايين مهاجر سوداني في العالم نصفهم في مصر، وقبل ثمانية أشهر قالت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة إن أكثر من تسعة ملايين من 133 دولة يعيشون في مصر منهم أربعة ملايين سوداني، وأن مصر سخية في إدراج المهاجرين ضمن النظم الوطنية، ويعاملون كالمصريين.

دائما كانت نظرتنا التربوية إلى السودان أنها سلة الغذاء في الوطن العربي، هكذا تعلمنا في المدارس، لأن غالبية العالم العربي، لا ينتج غذاءه، وعرفنا أيضًا أن السودان هي البعد القومي العربي لمصر، التي احتضنت الكلية الحربية في الخرطوم عقب نكسة 1967، وفي نفس العام التئمت في الخرطوم قمة اللاءات الثلاث التي أعلنت: لا صلح، لا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل، واقتحمت الجماهير السودانية حواجز مطار الخرطوم بمجرد هبوط طائرة عبدالناصر وصاحبت سيارته حتى مقر إقامته، كان ذلك في نهاية أغسطس 67، وكان غلاف مجلة النيوزويك التي اندهشت واستغربت ذلك الموقف، وشاركت قوة عسكرية سودانية في حرب أكتوبر 1973 التي انتهت بهزيمة إسرائيل. وإذا كانت الدول العربية قد قاطعت القاهرة عقب زيارة السادات للقدس عارضًا السلام مع الكيان الصهيوني، فإن الخرطوم لم تفعل. 

وقرأت قبل أيام اقتراحًا مستقلا يدعم علاقات أعظم دولتين على ضفاف النيل، مصر والسودان، طرحه القاص والروائي والناقد والناشط البيئي الدكتور فراج الشيخ الفزاري في مقاله الأخير على موقع سودانايل. اقترح تبني "تجمع الأكاديميين والباحثين والخبراء السودانيين"، فكرة إنشاء مجلس التعاون النيلي، لتقديم مرئيات علماء التجمع المتخصصين في التجارة والاقتصاد والزراعة والتنمية بين البلدين.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: