Close ad

مصر والسودان.. رباط الدم والتاريخ

10-4-2023 | 10:43

ليس هناك أدنى شك في أن مصر استطاعت أن تخطو خطوات وثابة وفارقة في مسيرة علاقاتها الخارجية على المستوى العربي والإقليمي والدولي، غير أن هناك علاقات في هذا السياق تأخذ ملمح المشهد الواحد والكادر الواحد، بمعنى أنك إذا رأيت أطرافًا من البلدين الشقيقين بين الجموع  فهما يعبرون عن الموقف الواحد والصوت الواحد والحلم الواحد والهواجس الواحدة، ومن ثم يبقى هذا التوافق والتكامل مهما تبدلت الأيام ومهما تغيرت مجريات السياسة، وهو ما ينطبق بالتمام على العلاقات بين مصر والدول العربية الشقيقة؛ ومنها السودان الشقيق الذي هو شقيق الدم والعروبة وشقيق القارة والجار الأول.

إن العلاقات بين مصر والسودان أزلية ومتشعبة في جميع الاتجاهات والمجالات ويدعم هذا المسار التاريخي الممتد الأزلي هذا الشريان المشترك الذي يجري كعروقٍ خضراء في جسد الأمة الواحدة، يمدها بالحياة متمثلاً في نهر النيل، الذي يعد مرتكزا وأساساً قوياً للكثير من مشروعات التعاون، فضلا عن صلات النسب والقربى والمصاهرة واختلاط الدم، فجزء كبير من أهالي أسوان له جذور سودانية، وتعد السودان العمق الإستراتيجى بالنسبة لمصر، وأمنها القومى، والعلاقات بينهما راسخة رسوخ النيل القديم نيل الحضارة والرقي والسلام الذى يجرى منذ آلاف السنين دون توقف أو أزمات، فالسودان يقع على حدود مصر الجنوبية، وطول الحدود البرية بين الدولتين يتجاوز الألف ومئتي كيلو متر، وتشترك الدولتان فى مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذى تأسس فى 2020، ويضم: مصر، والسودان، واليمن، والأردن، والسعودية، والصومال، وإريتريا، وجيبوتى، فالعلاقة التاريخية بين مصر والسودان بدأت منذ الوجود الإنساني وتكوينات البشرية التي تواجدت بالجزء الشمالي الشرقي من القارة الإفريقية، وارتبطت بتكوين وادي النيل الذي يشكل شريان الحياة المزدهرة على ضفتيه، وقد تلاحمت العناصر البشرية بين شمال الوادي وجنوبه مكونة وحدة وادي النيل، وفي هذا الصدد يُذكر إنشاء إذاعة وادي النيل، فبعد أقل من 10 سنوات على بث الإذاعة المصرية الرسمي في منتصف ثلاثينات القرن الماضي، جاءت فكرة إنشاء إذاعة "ركن السودان" والتي تغير اسمها فيما بعد إلى إذاعة "وادي النيل"، واعتبرت الإذاعة الإقليمية الوحيدة التي تملكها دولتان، وكان يوجد فيها فريق عمل يتناوب في فترات الهواء مع نظيره المصري.

وفي العصر الحديث شهدت التجربة المصرية السودانية مشروع وميثاق التكامل الذي ابتهج به الشعبان ورأوا فيه خطوة جديدة ودامغة باتجاه دعم التوحد والتشارك وتعزيز القدرات المختلفة، حتى إن المطرب السوداني الراحل صلاح بن البادية ـ والذي بالمناسبة قد شدا في كثير من المناسبات المصرية ومنها أفراح أسر مصرية، وله فيلم شارك فيه بالتمثيل وهو "رحلة عيون" وشاركته فيه البطولة الفنانة سمية الألفي وناقش رحلة طالب سوداني يتعلم الموسيقى في مصر، وقد غنى ابن البادية فيما بعد أغنية جميلة عن التكامل بين مصر والسودان يقول فيها: من الجنوب قامت أغاني الريدة تتوجه شمال، حاضنة المداين والجناين والجبال، نزرع أغاني الوحدة فوق ضهر التلال ليك يا شقيق الوادي يا واد عمي يا سمح الخصال نحنا التكامل أمر واقع ما خيال. 

ولعلنا نتابع حرص السياسة المصرية في المرحلة الحالية علي تقوية أواصر العلاقات التي تتميز بالخصوصية والتفاهم العميق مع السودان الشقيق، والسعي المستمر نحو تطوير علاقاتنا الاقتصادية المشتركة وإحداث نقلة نوعية في هذا السياق تتماشى مع ما تتطلع إليه شعوب الدولتين اللتين هما أمة واحدة، وهناك دائما تشاور وتنسيق سياسي بين مصر والسودان، وقد شرعت الدولتان في اتخاذ خطوات عملية لتقوية ودعم العلاقات بينهما فى المجالات المختلفة، فالسودان يعد الدولة الوحيدة التى لديها قنصلية فى محافظة أسوان مما يدل على نمو حجم التبادل التجاري، ولا يتوقف دور هذه القنصلية عند العلاقات التجارية والاقتصادية فحسب، بل امتد ليشمل العلاقات فى المجالات المختلفة، وهناك علامات عديدة ومحطات كثيرة في مسيرة هذه العلاقة الممتدة والمستمرة، فمنذ اندلاع الثورة السودانية في 19 ديسمبر 2018 أكدت مصر احترام خيارات الشعب السوداني، وكذلك رحبت بجهود السودان في تحقيق السلام والاستقرار في جنوبه، وشاركت في المفاوضات بين الحكومة الانتقالية السودانية والجبهة الثورية، وأظهرت الدعم الكامل للحكومة السودانية الجديدة بعد الثورة، وتم توقيع وثيقة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين عام 2016.

وفي أبريل 2019 استضافت مصر قمة تشاورية للشركاء الإقليميين للسودان لرأب الصدع وحلحلة الخلافات، وفي أغسطس من العام ذاته استضافت القاهرة اجتماعا بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية السودانية، كما شاركت في التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الانتقالى وممثلي المعارضة، وفي مارس 2022 احتضنت القاهرة إعلان الوحدة الاتحادية التنسيقية بين الفصائل الاتحادية السودانية، وقد واهتمت الدولتان بالتركيز على تعزيز مجالات التعاون  خاصة في الاستثمار والتعليم والصحة، فضلا عن التعاون في الربط الكهربائي وربط السكك الحديدية والطرق، ودائما ما تؤكد مصر أن إستراتيجيتها الثابتة تقوم على أن استقرار السودان وأمنه جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي.

كلمات البحث
الأكثر قراءة