Close ad

مرةً أخرى.. ضرورة عودة سوريا

9-4-2023 | 15:36

لا يمكن الظن بأن قمة الرياض الشهر المقبل ستكون مخصصة فحسب لعودة سوريا إلى مقعدها الدائم في مجلس جامعة الدول العربية، لأن الملفات كثيرة ومشحونة بالتفاصيل الساخنة، تلك التفاصيل التي تكمن فيها الشياطين. 

ومن هذه الملفات، الأزمات التي تثيرها التحركات التركية شمالي سوريا والعراق، وأزمة سد النهضة، وإنهاء الحرب في اليمن بعد نجاح الهدنة، وإجراء الانتخابات في ليبيا، المشاكل الاقتصادية في غالبية الدول العربية.

لكن تظل عودة سوريا مرشحة لأن تكون عنوانًا للقمة؛ لأنها في نفس الوقت علامة على إمكانية إعادة التنسيق والعمل العربي المشترك إلى مستويات مناسبة للحالة الإقليمية والعالمية التي تحيط بنا، كما يمكن أن تكون مؤشرًا لإحياء المشروع القومي العربي الذي عرج طويلًا في ممرات شائكة أرادت العبث به، أكثر من ذلك أرادت ربطه بمشاريع وهمية، وجره إلى نماذج إقليمية هو في كل الأحوال أكثر منها استقامة وأكثر مشروعية.

وقد يكون مناسبًا أو مواتيًا أن يطرح الملف السوري نفسه على القمة أكثر من أي وقت مضى؛ لأن الإقليم بسبب من تفكير القيادات الجديدة في العواصم العربية وقدرتها على التعاطي المتكافئ مع الأفكار الغربية والأمريكية تحديدًا، التي تريد إبقاء النظام العالمي على ما هو عليه، هذا النظام الذي تشكل من إرث الفكر الاستعماري القديم، نظام الإملاءات والشروط، والذي آل في السنوات الثلاثين الماضية إلى نظام القطب الواحد. 

هذه القيادات تفكر الآن، وهو ما بدأته في الأعوام القليلة الماضية، في عدم الإذعان إلى دعوات الإبقاء على هذا النظام العالمي، والارتياح إلى بشائر نظام جديد متعدد الأقطاب، وبالتالي إلى علاقات أكثر انفتاحًا مع أنظمة تحمل أفكارًا وسياسات مغايرة.  

هذه المقاربة الجديدة والمتماسكة التي تخطو إليها العواصم العربية بمسافات مختلفة، أدت إلى موقف عربي مستقل من الحرب الروسية في أوكرانيا، لم يتخذ الموقف الغربي مرشدًا، كما أدت إلى بقاء علاقات مصر بروسيا بوتيرتها المعتادة وبتوازن ومن دون شروط غربية، كما قادت إلى تقارب سعودي إيراني بدعم صيني، وإلى القرارات الاحترافية المتتالية لمنظمة أوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول) بقيادة سعودية ظاهرة، التي جعلت البيت الأبيض يهدد بـ"مراجعة" العلاقات مع الرياض، وبـ"عواقب" على المملكة بعد خفض "أوبك+" لإنتاج النفط العام الماضي، ومرت أشهر ولم تكن هناك أي عواقب أو مراجعات على الإطلاق.

وفي نفس الإطار جرت التفاهمات التي حققت تقاربًا مصريًا تركيًا دقيقًا وممنهج الخطى، يقود حتمًا إلى عودة العلاقات الدبلوماسية كاملة، ومن دون ثغرات يمكن أن ينفذ منها ما يعطل استكمال منظومة هذه العلاقات، كما تريد الدولتان.

لقد تحركت عواصم عربية بشكل منفرد في ملف التقارب مع سوريا والانفتاح على إيران، وتحركات شبه جماعية تجاه الصين، كل ذلك بعيدًا عن الضوء الأخضر من الغرب والذي كان يُسأل عن الحصول عليه في العقود الأخيرة لكل خطوة مماثلة.

ورفضت واشنطن في الأعوام السابقة أي تقارب عربي مع دمشق، وهو نفس الأمر الذي استمر بعد التعاطف العربي الرسمي والشعبي عقب كارثة الزلزال في فبراير الماضي، والذي طرح تساؤلات عن جدوى مقاطعة دمشق، والتي يعاني منها الشعب السوري، والذي كشفت جهود الإغاثة عن التردي الشديد في أحواله المعيشية، وفي إمكاناته التي باتت شديدة التواضع والمحدودية، ولذا سارعت واشنطن في إبلاغ الدول العربية بأنها لا تؤيد التطبيع مع سوريا، وكشفت السفيرة باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأدنى، في إحاطة صحفية قبل أيام، أن الدول العربية المنخرطة في التقارب مع نظام الأسد يجب أن "تحصل على شيء" في المقابل.

والمثير للدهشة أن واشنطن لم تطلب من الدول العربية التي تقاربت أخيرًا مع إسرائيل الحصول على شيء في المقابل، وشجعت التطبيع من دون مقابل تقريبًا، إلا في إطار عبارات فارغة من نوع إحلال ثقافة السلام، وإنهاء الصراع وحل الدولتين، بينما يزداد التوسع الاستيطاني والمداهمات وتدنيس المقدسات، وكانت المسئولة الأمريكية تشير إلى أنها طلبت من الدول العربية التي تسعى إلى التطبيع مع دمشق وضع حد لما زعمته حول إنتاج وتصدير الكبتاجون في سوريا ولبنان، جنبًا إلى جنب مع البنود الأخرى في القرار الدولي 2254، واعترفت بأنها سمعت في جولتها الأخيرة في المنطقة بصراحة شديدة، علنًا وفي السرّ، إنهم (عواصم عربية) يعتقدون أن العزلة لم تنجح، ويريدون تجربة الانخراط مع النظام بدمشق.

لم تتوقف جهود واشنطن في منع التقارب مع سوريا، وقدم مسئولون أمريكيون سابقون ونشطاء حقوقيون عريضة لإدارة بايدن تدعوه إلى اتخاذ خطوات لمنع الدول العربية من تطبيع العلاقات مع الأسد، وإنهاء حالة ما أسموه بـ "الانجراف الإقليمي" نحو التطبيع معه.

يمكن أن تسفر قمة الرياض عن مرحلة جديدة في العمل العربي المشترك، وأن ذلك يمكن أن يبدأ من نقطة "عالم عربي بلا أزمات ولا قطيعة".. ولذلك فإن نهر المصالحات في المنطقة بوسعه إحداث تغيير واسع وحقيقي لفائدة شعوبها..

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة