Close ad
9-4-2023 | 14:57

وكأن هذا اللقاء قد أصبح قبلة الحياة، لا أدرى لماذا انتابني هذا الخاطر! لكنه شعور وصلني من نظرات أصدقاء الزمن الجميل عندما التقينا للعام الثالث على التوالي.

منذ دارت في أذهاننا فكرة إنشاء هذا الجروب، ومنذ بدأت لقاءاتنا السنوية، وما زال الجروب مستمرًا، وما زال الجميع متشوقًا إلى تلقي قبلة الحياة ولو مرة واحدة كل عام، ما المانع؟ فلتكن مرة واحدة، لكنها كافية إلى ضخ الدماء في شرايين توشك على التجمد، الجلطات تداعبها من بعيد من حين لآخر، وهذا الكوليسترول العجيب لا يتركها في حالها، هذا حقه فله عمل لابد وأن يؤديه، ونحن من حقنا أن نقاوم كل ذلك بقبلة الحياة. 

يقيني أنه رغم بعد مسافة اللقاء إلا أن الجميع يبدأ رحلة الانتظار منذ أن ينتهي الشهر الكريم.. جميعنا نردد "والله الواحد أصبح ينتظر هذا اللقاء من السنة للسنة".. الكل يجلس متلهفًا عودته حتى يتلقى جرعة جديدة من ذلك المنشط العجيب الذي يسري في الروح، فيعود الجميع للوراء بمنتهى السرعة والرغبة في الخروج من ذلك الجسد البالي الذي قارب على نهايته، والاحتماء بذلك الجسد الشاب الذي لم يفارق الذاكرة لحظة واحدة.

الروح ما تزال كما هي وربما أكثر بكثير، زادت خبرتها وكثرت تجاربها واتسعت مداركها، أصبحت أكثر معرفة بما يمتعها وما ينغص عليها عيشتها، لو تتكلم لأخبرتك أنها على استعداد لفعل أي شيء للاستمتاع بما تبقى لها من لحظات في تلك الحياة، لكنها وبكل أسف لا تستطيع الفرار من الحقيقة، هي حبيسة ذلك الجسد الذي أصبح محدودًا بقدراته وإمكانات صاحبه، وتذكرت كتاب طه حسين "مع أبي العلاء في سجنه" الذي قرأته عدة مرات، كان أبو العلاء المعري ينعى حاله قائلًا:
أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري.. ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسد الخبيث

لكننا لسنا أبي العلاء، نحن نختلف عن الآخرين، نحن لا نلوم الجسد ولا الأيام، بل نشكرهم جميعًا على ما قاموا به في رحلتنا التي نراها رائعة الجمال، لولاهم ما التقينا، ولا باتت لنا ذكريات تجمعنا، ولا فكرنا في الالتقاء من خلال جروب الزمن الجميل، ولولا الأيام التي مرت ما وجدنا شيئًا نصفه بالزمن الجميل، يكفينا أن نلتقي مرة كل عام ساعات قليلة نركب فيها معًا آلة الزمن العجيبة التي اخترعناها سويًا.

آلتنا ليست آلة ميكانيكية لكنها بشرية مائة بالمائة، وقودها كلمات ونظرات، محركها ضحكات وصرخات طائشة مجنونة، آلة ليس بها فرامل.. ولا سبيل لإيقافنا عن ترديد إيفيهاتنا القديمة - التي قد لا يضحك عليها أحد الآن - إلا تفجير الآلة بمن فيها، لكن احذر فنحن مهرة وذوو خبرة، فلا تتعجب إذا وجدت نفسك - بدون شعور - تضحك معنا.. راقبنا جيدًا وسترانا نطلق سهامنا في زي جديد يناسبك ويناسب كل الأجيال.. ألم أقل لك إننا نختلف عن الآخرين.

لا أدرى لماذا نشعر دائمًا أننا قادرون على التكيف والتواؤم مع كل اللحظات، أمس والآن وغدًا؟ هل نحن ذلك السوبرمان العجيب الذي ليس لقدراته حدود؟ بالطبع لا لكنها تلك الروح التي لم تعرف يومًا اليأس أو الهزيمة أو النهاية.. 

لقاء هذا العام مختلف.. اختفى أحد زملاء الزمن الجميل من بيننا، ربما كان ذلك هو السبب في بعض الحزن الذي خيم على الوجوه، ذهب أخونا حسن إلى خالقه، فليغفر له الله ويتغمده بواسع رحمته، تزاملنا منذ نعومة أظافرنا في الابتدائي والإعدادي والثانوي، كان شخصًا طيبًا قليل الكلام، وسبحان الله رغم أننا لم نكن أصدقاء مقربين إلا أننا بعد أن جمعنا جروب الزمن الجميل وجدته يطلبني على الهاتف قبل وفاته ببعض شهور يسألني عن حالي، وسجلت رقمه، ولن أمحوه من على الهاتف.

على فكرة.. أصدقاء الزمن الجميل لم يلتقوا حتى الآن ولا أدري هل سوف نلتقي هذا العام أم لا.. هناك حالة من الصمت تخيم على الجروب، لكنني سوف أكتب كل عام عن جروب الزمن الجميل، حتى إذا لم نلتق، لن أحرم نفسي من تخيل اللقاء، سوف أطلق لنفسي العنان فأجلس مع الزملاء والأصدقاء، كما اعتدنا أن نفعل، لن أحرم نفسي من تلك المتعة.. لن أحرم نفسي من قبلة الحياة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة