Close ad

"دعوها تفسد".. جمعية مقاطعة الغلاء

5-4-2023 | 14:30

مما لا جدال فيه أن الكل يكتوي بنار الأسعار المبالغ فيها بدءًا من المواطن البسيط، وصولا إلى المقتدرين من مواطني هذا البلد، ولا بارقة أمل تلوح في الأفق لتنبئ بحدوث ضبط لهذه الأسعار؛ بسبب هيمنة التجار على الأسواق بلا حسيب أو رقيب، وتتحمل الحكومة وزرهم فأصبحت هي المُلام الأول أمام المواطنين الذين طحنتهم احتياجاتهم من السلع المختلفة، وبخاصة ونحن في الشهر الفضيل، فلم يحجموا عن شراء ما يلزمهم بأغلى الأثمان؛ حتى لا تفقد موائدهم رونقها المعتاد في شهر رمضان، وسفرته العامرة دومًا بالأطايب، استكمالًا لفرحة الأسرة المصرية بهلته عليها، ولا يخلو الحديث حول موائد الإفطار في كل بيت من حديث الغلاء والأسعار والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يلمسها القاصي والداني، وترتفع شكوى ربات البيوت من أن مصروف البيت أصبح لا يكفي، وأن كثيرات منهن يلجأن إلى المشاركة في جمعيات الاستعانة بمدخولها على تلبية طلبات البيت والأولاد، وينتهي تذمر الجميع بسؤال متى ستنتهي الأزمة؟! وإلى متى ستظل الأسواق مترهلة بعيدًا عن الأعين الرقابية وجمعية حماية المستهلك؟! 

والأمر جد بسيط لو توقفنا عن شراهة الشراء ووضعنا قائمة أولويات صحيحة لما نحتاجه فعليًا لحياتنا والتوقف عن الشراء عمال على بطال فالعبء لا يقع على الحكومة إلا بما قصرت فيه الجهات الرقابية للإلمام بالسوق لتقويد شراهة التجار للكسب السريع على حساب جيوب الشعب وطاقة معظمه المتواضعة أمام تغول الأسعار.

لماذا لا نتخذ نحن المستهلكين حزمة من الإجراءات الرادعة لهؤلاء المتحكمين في أقواتنا؛ والأمثلة كثيرة لمواقف تم اتخاذها من جانب المواطنين في أنحاء العالم، ففي أمريكا الجنوبية مثلا هناك واقعة شهيرة تروى عن تصدي شعبي تجاه رفع تجار الدواجن والبيض تسعيرة الـ(البيض) جميعهم في التوقيت نفسه، في اتفاق مسبق وفاجأوا به الأسواق دون وضع أي اعتبارات للمقدرة الشرائية لمن لا طاقة له على ملاحقة هذا الغلاء ممن لا يجدون قوت يومهم، فقد أعماهم الطمع لا يهمم إلا امتلاء جيوبهم بأموال الناس بأي وسيلة، فما كان من المواطن الأرجنتيني إلا أن ينزل إلى أن يعيد البيض إلى مكانه على أرفف محال البقالة؛ وكان هذا هو حال الجميع  ومنطقهم يقول: دعوه يفسد! حتى انتصرت إرادة المواطنين مجتمعة في التصدي للتجار الذين تكأكأت على رؤوسهم الخسائر؛ فقد تراكمت كميات هائلة من البيض المعرض للفساد السريع، مما أجبرهم على الانصياع لحملة الشعب ضد جشعهم، وتراجعت أسعاره إلى أقل من النصف، مع تقديم فروض الاعتذار الواجبة رسميًا للشعب مذيلة بوعدٍ ملزم بعدم تكرارها.

وللتأكيد نسوق مثالًا آخر للزعيم الروحي للشعب الهندي “المهاتما غاندي”: "وكيف دعا إلى مقاطعة بضائع الاحتلال الإنجليزي؛ برغم أنه لم يكن يتوقع أن يتحطم اقتصاد المستعمر من خلال فكرة المقاطعة؛ إلا أنه كان يعرف قوة إرادة الشعب الهندي وعزيمته لمقاطعة المنتج الأجنبي وإحلال المحلي بدلًا منه؛ وقرر أن يبدأ بنفسه قبل دعوة الآخرين للالتحاق بالمقاطعة، حيث أحرق كافة الملابس التي يملكها من صناعة أجنبية؛ والبدء بنسج قطع الأقمشة بنفسه ليرتدي الإزار المعروف بـ“الكادي”، كما اقتصر طعامه على الماء القراح، وحليب الماعز، وما تجود به الأرض من حبوب، إضافة لامتناعه عن حلق ذقنه بشفرة بريطانية؛ لتكون المحصلة الإيجابية بأن تسري روح الكبرياء والعزة في النفس لدى جميع الهنود؛ الذين استطاعوا بذلك إجبار المحتل على الرضوخ واللجوء إلى التفاوض معهم بعد أن تعرض لهزات وخسائر اقتصادية فادحة؛ أدت لانسحابه من الهند في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي؛ وحصلت الهند على استقلالها." 

ولنا أن نتساءل: هل نملُك في مجتمعنا المصري هذه القوة والشجاعة للتعاون والمواجهة والمقاطعة؟

الإجابة في ظل المتغيرات من حولنا التي تستدعي أن نتغير نحن أيضا: نعم نستطيع.. فلنا كمصريين تجارب سابقة أبرزها ما دعت إليه سيدات حى «المعادي» منذ سنوات لمقاطعة شراء اللحوم، واستطاعت أن ترضخ الجزارين فوضعوا قائمة أسعار أكثر ملاءمة لدخل الأسر.

فلم لا نتمثل تجارب المقاطعة السابقة، ونحن ندعو بلدنا أن تعتمد على نفسها بشكل كامل لتصنيع ما تحتاجه وزراعة ما تأكله ونحث المصريين على تغيير عاداتهم  من شعب مستهلك إلى شعب منتج يتعامل بإيجابية مع مشاكله دون انتظار لحلول من الجهات الرسمية، ويقصر دوره على الشكوى، وإهالة اللعنات على الحكومة وفقط دون أن نحرك ساكنًا..

لذلك أتقدم بمقترحي: "دعوها تفسد".. لم لا تتبنى الجمعيات الأهلية المترامية داخل الأحياء حملات ومبادرات تحمل هذا العنوان على سبيل التجربة، تدعو من خلالها أن تلتف كل طوائف كل حي وربات البيوت بشكل خاص بجدول مقاطعات بالتناوب بين السلع المختلفة؛ حتى تلقن المستغلين درسًا في مقتل، فستفسد بضاعتهم وتبور، إذا لم ينصاعوا لإرادة الشعب في التوقف عن المغالاة والاستغلال، وهذه واحدة من أفكار كثيرة يمكننا إطلاقها لتخرج إلى حيز التنفيذ، حتى نصون أموالنا من النهب ونساعد الدولة المصرية في هذا الجانب، فيد واحدة لا تصفق، تضافر الجهود هو المعول عليه حل المشكلات فلنكف عن الشكوى ونتعامل بإيجابية، ونطرح آليات التنفيذ ونعتاد العمل الجماعي في مواجهة الأشرار والمنتفعين، فهم عدو لا يقل خطورة عمن يرفعون عليك السلاح في وضح النهار بغرض السرقة أو القتل.. فلندع بضاعة كل فاسد.. تفسد.. وننجو نحن.. ألا يستحق الأمر المحاولة؟! وألا تستحق مصر أن نحميها من أعدائها في الداخل؟!

* رئيس قسم الإنتاج الإبداعي الأسبق بأكاديمية الفنون وأستاذ التأليف والكتابة الإبداعية وعضو اتحاد كتاب مصر

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: