Close ad

صاحبنا وقشرة الحضارة

2-4-2023 | 16:01
الأهرام المسائي نقلاً عن

وقف صاحبنا في مطبخ منزله أمام الفني المتخصص كطفل يكتشف لأول مرة أبجديات استخدام غسالة الأطباق، لا يدري بماذا يبرر أو يصف سذاجة تعاقبت لسنوات منذ اقتنى إحداها لتعينه في وحدته على شئون منزله، رجع بذاكرته نهار اشتراها من أحد المحال الكبيرة، ثم وصول مندوب الشركة لتشغيلها وتفعيل الضمان، يومها استمع له موقنًا استيعابه لبرامج التشغيل.

ومضت سنوات وهو يستخدمها ذلك الاستخدام البسيط الرتيب، يرص أدوات المائدة ثم يُفرغ مكيال المسحوق ويشغلها، فلا تكاد تنتهي من عملها وتنزوي صامتة حتى يفتح بابها متناولاً منها ما يحتاجه. سنوات وهو على هذه الحال حتى أصابها عطل منعها عن العمل.

حضر الفني المتخصص فضغط بعض الأزرار وقَلَبَها رأسًا على عَقِب وانهمك يفُك ويربط صامتًا، حتى إذا ما اطمأن إلى اتمامه عمله أعادها إلى وضعها الأصلي، وضغط زر التشغيل واثقًا فانطلقت ترفرف سعيدة بدبيب الحياة.

مَط الفني شفته السفلى وسأل صاحبنا عدة اسئلة، استنتج منها جهله بمنهاج عملها وتوقيتات إضافة الزيت ومكاييل المسحوق، وموعد دورة الخل، فراح يشرح له وصاحبنا واجم يكتشف رحابة فضاءات جهل، لطالما ظنها حدائق معرفة تسر الناظرين.

ما أن عاد صاحبنا إلى وحدته المعتادة، حتى قصد مطبخه ناظرًا بطرف عينه إلى الغسالة التي تجاهلته بدورها تمامًا، حتى عندما سحب كرسيه وجلس أمامها يحتسي قهوته ويغرق في تفكير عميق محاصرًا بالأجهزة الكهربائية الحديثة، انهمكت في استكمال برنامج الغسيل.

رأى صاحبنا في غمرة تفكيره في غسالة الأطباق رمزًا لتقدم تكنولوجي سمح له -ولغيره- التخفف من بعض أعمال عضلية مانحة إياه مساحة من وقت تمكنه من قضاء مهام أخرى.

اكتشف صاحبنا أن امتلاكه لمنتج تكنولوجي لم يكن كافيًا للوصول للمعرفة الكاملة به، إذ وقف لسنوات طوال عند قشور، هيأ له جهله أنه أحاط بكل شيء عِلمًا، حتى اكتشف ضحالة معرفته؛ تغيرت مستلزمات التشغيل وأدوات المطبخ وما سأل نفسه أيتطلب ذلك تغيير البرنامج الذي دأب يُشغله، منذ اشتراها. بل إنه حتى لم يسأل نفسه ما فائدة كل هذه البرامج ما دام برنامجًا واحدًا يكفي.

خرج صاحبنا من المطبخ مُنكسرًا ثم جال بنظره في أرجاء المنزل فوقعتْ عينه على التليفزيون والتكييف، فمط شفتيه أسفًا مُتوقِعًا أن حظه فيهما يكافيء حظه مع غسالة الأطباق.

ثم التصقت عيناه بالحاسب الآلي، وقاس معرفته عليه فإذا هي دون القشور بكثير، فارتد إليه البصر خاسئًا، إذ تذكر عدم تجاوز استخداماته حدود أعمال مساعدته في العمل، يُلقي إليها من حين لآخر بعض أوراق خطها بيمينه فتعيد كتابتها وتنسيقها على الحاسب ثم تردها إليه كأحسن ما تكون الهيئة.

أين هذا من برامج المحاكاة والبرمجة ذات العلاقة الوطيدة بتخصصه، وأين هذا أيضًا من دمج خرائط جوجل Google Maps في صميم عمله. لا شيء. قشور كزبد البحر، وصاحبنا سادر في وهمه يتصور أنه اِمتَلك فَمَلَك. فإذا ما معه قَبضُ ريح.

حتى هاتفه المرهف الذكاء الغالي الثمن تحول إلى رصيف مقهى في عشوائيات التواصل الاجتماعي.

علاقة ملتبسة بالتقدم فضحها فني إصلاح غسالة الأطباق، وجد فيها صاحبنا أيضًا ثمة تشابه بين حاله وحال الشرق مع التكنولوجيا الحديثة، تحول فيها الشرق إلى ثقب استهلاكي أسود يبتلع كل ما تصل إليه يده من منتجات تكنولوجية دون مشاركة في ابتكار أو تطوير، مكتفيًا بتلك القشرة الخادعة ظنًا أن ماله يغنيه.

يقول نزار قباني في قصيدته "هوامش على دفتر النكسة"، (خلاصة القضية توجز في عبارة.. لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية).

[email protected]

 
كلمات البحث
اقرأ أيضًا: