Close ad
1-4-2023 | 15:37

بإعلانها المفصل عن قواعد وأسس سياستها الخارجية الجديدة الطموح، ألقت روسيا بقفاز التحدي والثقة في وجه الولايات المتحدة والغرب، وحددت أهدافها بدون مواربة أو مساحيق تجميل تخفى النيات والأهداف، فهى تريد تغيير النظام الدولى المستقر، منذ انتهاء الحرب الباردة وهيمنت عليه واشنطن بصورة منفردة، ولديها خطتها الواضحة والجاهزة لقيادة هذه العملية اليوم قبل الغد، ومفادها أن العصر الأمريكى قد بلغ منتهاه وحان أوان أفول نجمه، والتراجع خطوة للوراء، لكى يعتلى "الدب الروسى" القوى خشبة المسرح الدولى.

بموجب هذه السياسة التي تمثل تحولا لافتًا ومهمًا في عقيدتها الخارجية، لم تخف روسيا وجهها وسمت الأشياء بمسمياتها الحقيقية بدون ألفاظ دبلوماسية رقيقة وخادعة، فأمريكا في نظرها عدوها الأول ومصدر التهديد الرئيس لأمنها القومى، وأنها سترد بقوتها العسكرية الشاملة على ما يهددها، وتود القضاء على الهيمنة الغربية على عالمنا المعاصر، وتدشين نظام عالمى بالتعاون مع حليفتيها الهند والصين، وإعادة هيكلة الاقتصاد الدولى.

موسكو باختصار تسعى لإشعال ثورة سياسية تعيد رسم الخريطة العالمية، واستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي الغابر، الذى كان يُحسب له ألف حساب، ومؤهلًا وقادرًا على فرض منطقه وتصوراته، وتتحدث بلسان القوة وليس الضعف، حتى مع ما تعانيه من تبعات سياسية واقتصادية وعسكرية، جراء شنها الحرب على أوكرانيا قبل عام، وتؤكد من خلالها أنها تقف على قدمين ثابتتين لا تهتزان، ولن تخضع أو تستسلم تحت وطأة الضغوط الأمريكية والغربية الهادفة لمحاصرتها في زاوية ضيقة، وفشلت في إنجازه حتى الآن.

بل إننا في ظل ما نراه من حولنا فإن روسيا بدأت حصارها الخانق على العم سام وشركائه بالغرب الذين تصدعت جبهتهم ودب بينهم الشقاق والخلافات المكتومة والعلنية، بسبب الانخراط في معركة أوكرانيا التي لا يبدو في الأفق ما يبشر بقرب صمت المدافع بها، وتحمل الغربيين فوق طاقتهم، لا سيما ما يتعلق بتفريغ ترسانتهم من الأسلحة والذخيرة لتزويد كييف بها، حتى يصمد جيشها المنهك أمام هجمات القوات الروسية المتواصلة، بينما انكشف ظهر جيوش أوروبية نتيجة ذلك.

والظاهر أن موسكو ارتأت في اختيارها توقيت الإعلان عن تفاصيل سياستها الخارجية الثورية اصطياد أكثر من عصفور في وقت واحد، وبيان فشل سياسة الاستنزاف الغربية تجاهها، وحرمانها من الفعل بمحاصرتها في خانة رد الفعل المستمر، وأنها لم تفقد ورقة المبادرة والكفاءة اللازمة لإحداث انقلاب جذرى في قواعد اللعبة، مستغلة حالة الترهل والتخبط الأمريكي في التعاطى مع الأزمات الدولية، واللجوء لإجراءات وقرارات تجعلها تشكل خطرًا على الأمن والسلم الدوليين، بدلا من صيانتهما والدفاع عنهما.

ما يحرك روسيا هنا ليس فقط حسابات الحنين لمجد الاتحاد السوفيتى الزائل، ورد اعتبارها لهزيمتها في الحرب الباردة، وشخصية رئيسها فلاديمير بوتين، القوية والعنيدة والرافض دوران بلاده في الفلك الغربى، وإنما أيضا إحساسها الجارف والمؤلم بأنها لا تحتل المكانة اللائقة والجديرة بها على الساحة الدولية بحكم تاريخها الحضارى والإنسانى قديمًا وحديثًا، ومراعاة مصالحها الأمنية والجيوسياسية، وأنه طالما أن العالم حرمها من حقها المشروع ذاك فلا مهرب أمامها سوى اقتناصه بالقوة وفرضه كأمر واقع.

لكن التساؤل الطبيعى والحاسم سيكون هل باستطاعة الدب الروسى بمفرده نقل النظام الدولى من خندق الأحادية إلى رحابة التعددية بسلام وأمان، حسبما حددت وثيقة السياسة الخارجية الجديدة؟

الشاهد أن بوتين يعلم قبل غيره أنه لن يحقق المستهدف بدون مساندة قوى لها وزنها وتأثيرها على مجريات الأحداث، لذا قرر الارتكاز على شريكين قويين، هما الصين والهند، واضعًا في اعتباره أن المصالح ستكون حاكمة وموجهة، فكلاهما يرغب في إفساح الطريق لصعود قوى أخرى، خاصة على الصعيد الاقتصادي، والتحرر من ربقة تحكم الدولار في حركة التجارة العالمية وتوجهاتها، وعدم تهميش الفقراء والضعفاء بتسليط سيف المساعدات المشروطة على أعناق دولهم، ولديهما ملاحظات واعتراضات كثيرة على السياسات الأمريكية.

والموقف الصينى سيكون بمثابة رمانة الميزان، لا سيما وأن بكين تتخذ خطوات عملية لتصبح عملتها الوطنية بديلا للدولار الأمريكى لإتمام الصفقات التجارية، ووقعت مؤخرًا اتفاقًا مع البرازيل كبرى دول أمريكا اللاتينية – حجم تجارتهما ١٥٠ مليار دولار – يقضى باستخدام عملتيهما المحليتين في تبادلهما الاقتصادى، وهو إجراء سوف يشجع آخرين على السير على الدرب ذاته. 

فضلا عن الدعم السياسى الذى توفره الحكومة الصينية لروسيا في الأزمة  الأوكرانية، وكشف وسائل الإعلام الأمريكية والغربية كيف لعبت الإدارة الأمريكية دورًا ليس بالنظيف للزج بأوكرانيا نحو خوض الحرب ضد روسيا، ظنًا منها أنها ستفت في عضد الدب الروسى وستجعله يرضخ للإرادة الغربية والأمريكية، بعد أن تتحول أوكرانيا للنسخة الحديثة من المستنقع الأفغانى الذى كان القشة التي قصمت ظهر الاتحاد السوفيتي السابق واستنزفته حتى الرمق الأخير، وتسببت لاحقا مع عوامل أخرى في انهياره وتفتيته، لكن يبدو أن صانعى القرارات بالدوائر الأمريكية لم يقرأوا جيدا عقل المحارب المشاكس فلاديمير بوتين الساعى لقلب الطاولة على رؤوسهم، ويراهن بوتين على عامل النفس الطويل لترجيح كفة بلاده في صراعها الطاحن مع الغرب، وسنكون فى انتظار وترقب إعلان المنتصر فى سباق إعادة بناء النظام الدولى الجديد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: