Close ad

اقتصاد مصر في ظل أزمة عالمية

1-4-2023 | 12:30

قلق عالمي يغزو الأسواق والبنوك، وهو يزداد ويتفاقم.. ولسنا في مصر مختلفون أو منفصلون عما يحدث حولنا.. الجميع تدور في أذهانهم تساؤلات شتي.. محكومين وحكامًا، عامة وصفوة، اقتصاديون وشعبويون.. الجميع يستشعر خطورة القادم ويحاول جاهدًا أن يتحسب لما سيأتي..

البنك الدولي سبق أن حذر منذ كورونا وحتى بدايات هذا العام أن العالم مقبل على ركود اقتصادي وأزمات مالية متعاقبة، وتأكد هذا الحدس الاقتصادي الاستباقي بما حدث من انهيار بنوك في أمريكا وأوروبا منذرًا بعواقب وتداعيات وخيمة..

هذا يفرض سؤالًا محوريًا لدينا في مصر: أين يقف الاقتصاد المصري مما يحدث في العالم من متغيرات؟

لابد لنا أولًا من فهم طبيعة الأزمة.. إن كانت ثمة أزمة موجودة أو ستأتي.. هناك مصطلحات ينبغي لنا أن نتبين الفرق بينها حتى يتسنى لنا توصيف الأزمة بشكل واقعي حقيقي..هل هي أزمة ركود أم كساد؟ تضخم أم غلاء معيشة أم بطالة؟ هل هي أزمة عارضة أو مستمرة؟

كلمة أزمة في حد ذاتها تشي بأنها مشكلة حادة؛ لكنها مؤقتة كنتيجة لعامل خارجي غير أصيل، وهو ما يعني دخولها في إطار استثنائي يحتاج لحلول استثنائية تنتمي لفن إدارة الأزمات..

إن مصر كبلد عريق تعرض خلال تاريخه الطويل الممتد إلى أزمات لا حصر لها وبفضل المولى استطاعت مصر تجاوز تلك الأزمات وبقي عنصر الصمود فيها ليتحول إلى سمة بارزة لها. غير أن حالة التضارب فيما يُبث من أخبار بسبب حالة الاستقطاب والارتباك تفرض حالة من الضبابية والغموض في المشهد الاقتصادي.. لهذا كان لابد أن نتوقف قليلًا لنفكر معًا في محاولة لفهم حقيقة الأمور..

تعالوا نفهم معًا
 الاقتصاد يعج بمصطلحات قد تستعصي على الناس.. فلنحاول معًا فهم بعض تلك المصطلحات بطريقة سهلة؛ لأن في فهمها مفتاح لإدراك ما يجري في بلادنا..

لعل مصطلح الركود يأتي في مقدمة تلك المصطلحات المتداولة على ألسنة الاقتصاديين وفي وسائل الإعلام المختلفة، فما هو الركود؟ إنه يعني انخفاض حجم الاقتصاد أو انكماشه خلال ربعين متتاليين (ما يعادل 6 أشهر) فيما يُعرف بالنمو السالب؛ وهو ببساطة يعني هبوطًا حادًا في النشاط الاقتصادي لعدة أشهر متتالية، بمعنى توقف حركة البيع والشراء في الأسواق، وأن الناس ليس لديها نقود أو سيولة كافية لشراء بضائع ربما تكون ناقصة أو غير موجودة بسبب ارتفاع سعرها.. فهل هذا موجود في مصر؟ 

الواقع والأرقام يقولان غير ذلك؛ فالسلع متوافرة بكثرة والمتاجر تتناحر وتتنافس لبيع البضائع وطوابير المشترين لا تتوقف.. هذا مؤشر لحركة اقتصادية نشطة لا تعاني كسادًا أو ركودًا في العموم، مهما كانت بعض السلع غير الاستهلاكية تعاني شيئًا من ركود جزئي بسبب طبيعة تلك السلع..

دع أي شخص قادم لمصر للمرة الأولى يسير في أي حي أو منطقة أو محافظة، سوف تراه يأكل ويشرب ويلبس ما يحلو له رخيصًا كان أو غاليًا دون أن يشكو نقص سلعة أو غلاء سعرها.. وسيشهد حركة بيع وشراء نشطة وبضائع تملأ الأسواق من كل نوع وصنف في أكبر المتاجر وأصغرها.. وهو ما يؤكد أننا لا نعاني أزمة ركود..

مصطلح آخر متداول هو الكساد.. وهو مثيل للركود، لكنه طويل الأجل يستمر لسنوات متعاقبة، ومادمنا لا نعاني ركودًا فبالضرورة أننا لا نشكو من كساد..هذا اللفظ يعيد للأذهان ذكرى كارثة اقتصادية حدثت في القرن العشرين اسمها"الكساد العظيم"؛ حدثت بسبب انهيار كارثي لسوق الأسهم الأمريكي عام 1929، والقرارات التي تم اتخاذها تسببت في أثر عكسي فزادت الأزمة واستمرت لمدة وصلت إلى 10 سنوات كاملة، كانت النتيجة أن الدخل العام للفرد تقلص بنسبة كبيرة والبطالة وصلت نسبتها إلى 25% أثناء ذروة الأزمة عام 1933.. وطالما لا توجد أيد عاملة تعمل ولا أجور تُدفع، فمن الطبيعي أن يتوقف إنتاج السلع والخدمات.. كارثة ضخمة حلت بالمجتمع الرأسمالي وقتذاك، لكن بعد عام 1939 حصلت انفراجة وبدأ النمو يرجع والتعافي الاقتصادي يحصل.

إذن فالحكم المتعجل على المشهد الاقتصادي لا يعني أنه حكم سليم، وربما كانت الشائعات في مثل تلك الأوقات المرتبكة ذات أثر مدمر؛ لأنها تتسبب في قلق عام وهروب الاستثمارات دون داعٍ حقيقي، كما قد يحدث في البورصة من حين لآخر..
ما هو الاقتصاد؟

الاقتصاد كلمة تبدو بسيطة بريئة كثيرة التناول على الألسنة، لكنها أكثر تعقيدًا مما تبدو؛ فنحن نتحدث عن لفظ شامل وجامع لعدد كبير من الأنشطة والمفاهيم تضم، على سبيل المثال، عجلة الإنتاج والموارد والاستيراد والتصدير والبورصة والتضخم والبطالة والعمالة والبنوك وأسعار العملات والقرارات الدولية والكوارث الطبيعية، تخيل مثلًا أن عاصفة ثلجية ضربت أمريكا كلفتها مليارات الدولارات غير مئات الضحايا والدمار الذي حصل للمنشآت والعقارات، ما مدى تأثير هذا على اقتصاد أمريكا المأزوم أصلًا؟ وهل هذا الأثر دائم أو مؤقت؟

فيما يخص الشأن المصري فإن الاقتصاد له معنى مرتبط بقوة ذاتية مكنونة في بلد مركزي ذي حضارة عتيقة راسخة، لسنا بلدًا هشًا أو حديثًا، ولم نتعرض للتقسيم أو الانهيار في تاريخنا مهما كانت شدة الأزمة، مصر هي مصر منذ آلاف السنين، واقتصادها قائم على مقومات ذاتية في أكثرها واعتمادنا على الخارج لا يمثل في سياستنا الاقتصادية إلا جزءًا يسيرًا يمكن تعويضه بالاتجاه نحو من يمتلك البضائع بأسعار مقبولة أي لقانون العرض والطلب..

نعود إلى المشكلة التي نحاول الوصول إلى جوهرها، والسؤال الذي نحاول إجابته منذ بدء المقال: ما طبيعة أزمة مصر الاقتصادية؟ وما السبيل إلى حلها؟

الأزمة والحلول
 منطق الواقع ينفي وجود ركود أو انكماش أو كساد اقتصادي في مصر، فلماذا يحدث الغلاء ويعاني الناس تبعات التضخم؟ أين تكمن المشكلة وكيف نحلها؟

دعونا نكون محددين فنقول إنها أزمة الدولار، لا أكثر ولا أقل، إنها أزمة توافر العملة الصعبة التي يتعامل بها الاقتصاد في أجزاء حيوية من مكوناته. تلك بطبيعتها أزمة جزئية مهما كبر حجمها، ومادامت الأزمة جزئية بطبيعتها فهي قابلة للحل ويمكن احتواؤها، لابد من قرارات حاسمة وعلاجات ناجعة طبقًا لمقتضيات الحلول الجذرية للأزمات، تلك علاجات صعبة لها ضريبة وثمن، كما تحتاج لوقت قد يطول.. لا يمكننا أن نتصور أزمة عالمية كأزمة الدولار تشكل قلقًا عالميًا حتى في أمريكا نفسها ثم إذا بها تنتهي بعصا سحرية أو بشكل فوري..

هناك مؤشرات تشي برغم كل السلبيات السابقة بانفراجة قادمة.. أولها أننا نمتص الصدمات الحادثة في الاقتصاد العالمي بشيء من التدرج والتأني.. والدليل أن الدولار لدينا لم ينهر تمامًا، كما حدث في لبنان مثلًا، بل إن الدولار ظل لفترة طويلة ثابت القيمة أمام الجنيه رغم كل المتغيرات العالمية، إنه صامد رغم كل شيء.. ثانيًا أن الدعم الحكومي مستمر رغم الضغوط، والسيطرة الحكومية على الأسعار هي التي حالت دون وصول أسعار السلع لأرقام أعلى من القدرة الشرائية العامة. 

لقد اتخذت الحكومة من بداية أزمة الدولار - التي بدأت مع أول تعويم - عدة خطوات لاحتوائها والسيطرة على تبعاتها، هناك قرارات مصرفية وجمركية تم اتخاذها، صحيح أنها أثرت بشكل تدريجي على الحياة العامة فتسببت في موجات تضخم وغلاء لكنها أقل كثيرًا مما كان متوقعًا إذا تركت الأزمة دون مجابهة وعلاج.. إن المسارات الضرورية التي تتخذها الحكومة لابد لها من مسارات مجتمعية مكافئة، منها أن يزداد حجم الإنتاج والعمل والتصنيع، ومنها أن نتفهم طبيعة ما نمر به من متغيرات عالمية وإقليمية تؤثر علينا وتستلزم منا شيئًا من التريث وانتظار عبور موجات غلاء عابرة للقارات تأتي إلينا من خارجنا فنتأثر بها ونحاول السيطرة عليها قدر المستطاع.

خارج الصندوق
 نحن اليوم بحاجة للتحرك خارج الإطار التقليدي لحلول الأزمات، حلول تزيد قدرتنا على مواجهة الأزمة بثبات وتقلل زمنها وتسرع بنتائج التنمية المرجوة..

وأول ما نحتاجه بشكل عاجل أن نفكر بشكل جماعي بحيث لا يستقل كل واحد منا بفكرة وحيدة للخروج من أزمة كبيرة متفاقمة، كلنا في مركب واحد وينبغي ألا يفكر كل منا بمعزل عن الآخر.. ولعل من أهم الرؤى الاقتصادية الشهيرة فكرة تعدد المحافظ المالية.. أي لابد أن تتعدد مصادرنا الإنتاجية فلا نقف أمام ضعف العائدات من مصدر كالسياحة، ثم نهمل قدراتنا الزراعية والصناعية والتعدينية بل وقدراتنا البشرية التي هي أساس أي اقتصاد.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: