Close ad

تهذيب النفس والصبر على المكاره

27-3-2023 | 12:01

مما لا شك فيه، فإن خبرات الإنسان في الحياة تُكتسب عبر التجارب المتراكمة، والتي قد يعي من بعدها أن قيمة الدروس المستخلصة وقيمة الحكمة من بعض الأمور والتجارب، تكون دائمًا أهم وأنجع من المعاني والمعطيات المباشرة، من هنا ندرك كم أن الله سبحانه وتعالى قد هدانا إلى وحدانيته واليقين به عبر اكتشاف أنفسنا، ليس فقط بظواهر الأمور وما يبدو لنا خارج الأشياء وإنما بما وهبنا من جوارح وحواس ونعم في أنفسنا لعل أرقاها الألباب التي تعي كيف أن الله جعل العبادات رغم ما فيها من معانٍ ظاهرية كأداء الصلوات بأقوالٍ وحركات محددة ومعروفة، ومثل الصوم الذي هو في ظاهره امتناع عن المأكل والمشرب خلال وقت محدد، غير أنها عبادات تمثل جسرًا آمنًا تعبر منه الروح إلى مزيد من اليقين والتعلق به سبحانه وتعالى، واستخلاص الحكمة الأكبر، لتكون العبادات المفروضة سببًا حينها لنتائج تبلغ بالعبد إلى الحكمة واستخلاص درس الدنيا والدين.

وقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"، وهنا لا جدال في أن الصوم فُرض على الناس كأساس من أُسس أركان الإسلام الخمسة، بأحكام وشروط  واضحة؛ سواء لمن فرض عليهم من الأصحاء البالغين، وغير ذلك من أحكام ظاهرة وواضحة، غير أن التدبر والتفكر في حكمة الصوم، تدلنا إلى سبيل آخر من وراء هذه العبادة كتأكيد لنقاء الفطرة والروح التي تغلبت على شعور الجسد واحتياجاته، وصولا إلى تهذيب النفس عبر مدرسة مكتملة الأركان لتعلم الصبر، وترويض النفس على التحمل، حيث يصبر الإنسان المسلم عن ملذات الدنيا الملموسة، وشهوات النفس، وكل شيء متعلق بالرغبة في زمن يمتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فلما كان الهدف الأسمى ابتغاء مرضاة الله، فإن النتائج المترتبة هي نفس غنية قنوعة قوية صلبة تطيق أن تُحرَم مما تحب في سبيل حب أبقى وأكبر.

يشرح المفكر الكبير د.مصطفى محمود الذي تربى جيل بالكامل على كتبه، إضافة إلى برنامجه العلم والإيمان الشهير الذي كنا ننتظره بشغف، كان يقول جملة آسرة مفادها "نقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره"، تلك الجملة البليغة التي أراها مفتاحًا لأبواب التفكر والتدبر، في أمر تهذيب النفس وتدريبها وصقلها، إذ يشرح العالم الراحل هذه الحالة من القرآن من قصة طالوت قائد الجيوش؛ حيث يقول لجنوده أثناء الزحف: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ}. وهنا تأتي عبقرية ربط الانتصار في المعركة بالانتصار على النفس أولاً وهي الفكرة ذاتها التي يوضحها في كتابه "عصر القرود" وطريق التفكير عند البشر، فالنهر هنا هو الدنيا وعلى حد تعبير المفكر الكبير "أن كل واحد منا يغترف من هذا النهر.. واحد بياخد على قد كفه، وواحد بيشيل ويحمَل"، وللأسف قليل القليل هم من يدركوا الحكمة ويتعاملون مع شهواتهم بتلك الطريقة وهي نفسها في الوصف القرآني {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ}.

فما بين العبقري والشخص العادي أنه يجب أن يتخلى ففي التخلي تجلي، بقدر ما تتخلى عن شهوات الدنيا والمعاصي يتجلى نور الله في قلبك وكرمه يغمرك، والإنسان بطبيعته مفطور فطرة روحانية بصنعة ربانية، ومن يدرك هذه الحكمة يجني كثيرًا من نعم الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن هنا تأتي اختياراتنا وهي ما سنحاسب عليها فأي طريق نختار؟ الهدى أم الضلال؟ يقول تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، أي قد أفلح فلاحًا كبيرًا من زكى نفسه بطاعة الله، وخاب من دساها بالمعاصي.

وإذا تأملنا قول الله سبحانه وتعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}، فهنا ينتقل الإنسان إلى مرحلة أخرى راقية من الصبر حينما يطيع ربه ويتدبر تعاليمه، فينعم عليه الله بنعمة الطمأنينة يحيا بها وينام قرير العين في معية المولى عز وجل وفي رعايته سبحانه وتعالى، وكثيرًا ما نسمع هذا التداول الدارج لاستخدام المعنى مع العين فتسمع من يوصي شخصًا بآخر، فيرد متلقي الوصية: "يا سلام إنه في عيني"، فما بالك والله خالق الخلق جميعًا الرحمن الرحيم الحفيظ وهو يقول "فإنك بأعيننا"، وهو القائل سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ فالإنسان خُلق في الأرض ليتفكر في خلق الله لكل شيء السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وفي نفسه وحركته وإحساسه، ويعي ما يدور حوله، الأمر الذي يؤدي به إلى الاهتداء والتسليم والطاعة، لا أن يفسد في الأرض أي لا يبني مجده على أنقاض الآخرين، ولا غناه على فقرهم، لكنه يستقيم على أمر الله، فيصالح نفسه التي كان هذبها من قبل بالتحمل في المواقف كالوضوء على المكاره والصبر على الجوع والعطش، حين رأى أصنافًا من الطعام فأعرض عنها، رغبة فيما عند الله تعالى من الأجر والثواب وهو القائل سبحانه "مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ، وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ، وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، ثم يأتي بعد الغروب، ويحل الله له كل ما كان قد حرم عليه قبلها، ليتذكر الإنسان طول الوقت أن يصبر في هذه الحياة على طاعة الله، فلا يمل أو ييأس، وأن يصبر عن المحرمات، فيبتعد عنها، ويجعل بينه وبينها حاجزًا حتى يلقى الله تعالى، فإذا قدم على الله، فرح بما ناله جزاء صبره في الحياة الدنيا، وصدق الله العظيم جل وعلا القائل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. صدق الله العظيم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: